بينما يرى خبراء الاقتصاد الأجانب أن الاقتصاد الروسي من أقل الاقتصاديات في العالم تأثرا بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية، يرى خبراء الاقتصاد الروس عكس ذلك، حيث يرى بعضهم أن روسيا ستمر بمرحلةٍ طويلة قبل أن تتمكن من العودة باقتصادها إلى ما كان عليه قبل الأزمة. هذا على الرغم من عودة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي بمقدار يفوق التقديرات التي كانت تتوقع أن يبقى سعر النفط طيلة عام 2009 وربما حتى نهاية الربع ألأول من عام 2010 حتى سعر 40 دولارا للبرميل، وبالفعل وضعت الحكومة الروسية ميزانيتها العمومية لعام 2009 على أساس هذا السعر، ثم جاء الارتفاع حتى 70 دولارا للبرميل.

ولكن هذا في رأي الخبراء الروس لا يعني، كما يتصور البعض، وجود فائض في الميزانية العمومية، حيث أن تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية أثرت على الاقتصاد الروسي بشكل كبير، وخاصة في مجال القطاع الخاص وليس القطاع الحكومي، حيث تعرض الأثرياء الروس الذين جمعوا المليارات في سنوات قليلة من نهب ثروات الدولة السوفيتية العظمى، تعرضوا لخسائر فادحة في الأسواق المالية العالمية بسبب مضارباتهم الجنونية في هذه الأسواق وسعيهم لتهريب أموالهم في بنوك مشبوهة في دول لا تفرض ضرائب.

وهؤلاء الأثرياء كما هو معروف يسيطرون على قطاع كبير من الاقتصاد الروسي وفي مجالات حيوية مثل النفط والمعادن والبنوك، وللعلم أن نسبة البطالة التي تعلن عنها الحكومة الروسية دائما والتي تتزايد حتى تجاوزت الستة ملايين، هي كلها في مجال القطاع الخاص الذي يملكه طواغيت المال الروس، بينما في القطاع الحكومي لم يتم تربح أي فرد من العمل.

المؤسساتِ الصناعيةَ الكبرى التي يملكها طواغيت المال ستواجه مصاعبَ كثيرة.، وأغلبية هذه المؤسسات بنيت في العهد السوفيتي، ولا تزال مفخرةَ روسيا حتى الآن وعماد اقتصادها الأساسي، وهي التي تشكل اليوم أساس الإمبراطوريات الأوليغارشية في البلاد. ولكن طواغيت المالِ الروس لم يُبدوا أدنى اهتمام بمصير هذه المؤسسات في الظروف الصعبة التي مرت وتمر بها البلاد الآن.

وكان هاجسَهم الأساسي الحصولُ على أكبرِ قدرٍ من الربح والفوائدِ المادية، وقاموا بتهريب معظم عائداتهم للخارج هربا من دفع الضرائب والرسوم للحكومة الروسية فوقعوا فريسة الأزمة المالية العالمية وضاعت الكثير من ملياراتهم في البنوك التي تسترت عليهم والتي سقطت مع الأزمة، ومن الأمثلة من هؤلاء الطواغيت المليارديرات الذين كانوا قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بعامين لا يملكون مجتمعين مليونا واحدا ثم أصبح كل منهم بعد خمس سنوات يملك عدة مليارات من الدولارات من وراء هذه المشاريع العملاقة التي استولوا عليها في سنوات التسعينات ضمن برنامج الخصخصة الواسعة التي أعلنها نظام الرئيس الروسي الأسبق يلتسين،هذه الخصخصة التي يقدر صندوق النقد الدولي خسائرها على الاقتصاد الروسي بأكثر من ثلاثة تريليونات من الدولارات، أي ما يعادل مرة ونصف مجموع الموازنة العمومية لجميع دول أوروبا مجتمعة في عام واحد.

المضحك في الأمر أن هؤلاء الطواغيت الذين نهبوا الاقتصاد الروسي وضربتهم الأزمة العالمية يطالبون الحكومة الروسية الآن بأن تساعدهم باعتبارهم جزءا من الاقتصاد الروسي، ومن هؤلاء صاحب مصنع التعدين في مدينة أوسكول علي شير عثمانوف وزميله رومان أبراموفيتش. أمثال هؤلاء يستغلون ظروف الأزمة لابتزاز الدولة ومطالبتها بدعم مؤسساتٍ امتصوا دماءها حتى آخر قطرة.

المجتمع الروسي يرفض دعم هؤلاء في ظروف الأزمة ويطالب بمحاكمتهم لأنهم سرقوا ثروات الشعب، لكن الحكومة الروسية لم تأخذ قرارها النهائي بشأنهم حتى الآن، ولا يتصور أنها ستعاقبهم الآن في ظروف الأزمة لأن الدولة الآن ليست جاهزة لاستلام وإدارة المؤسسات العملاقة التي يملكها هؤلاء، وتريد فترة من الوقت حتى تستقر الأمور وتنقشع الأزمة ثم يأتي وقت الحساب.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru