لاشك أن روسيا تحرص على تأسيس علاقات تعاون جديدة مع العراق، تحقق مصالح البلدين والشعبين، وذلك ليس فقط لأن العراق تعتبر وبكل المقاييس من الأسواق الواعدة، وإنما أيضا لأن علاقات التعاون التي ربطت بين موسكو وبغداد على مدار سنوات طويلة حققت ثمارا حقيقية للبلدين، ما أدى لأن تعتمد البنية التحتية للعراق بشكل كبير على المنتج الروسي.
وفق هذا المنظور يمكن إدراك خلفيات وأبعاد زيارة وزير الطاقة الروسي سيرغي شماتكو إلى العراق، والتي تضمنت جدولا حافلا باللقاءات والمباحثات حول سبل التعاون المشترك.
وقد أعلنت موسكو انها تحترم توجهات وسياسات الحكومة العراقية، وقرارتها بالانفتاح على المجتمع الدولي وفق قوانين السوق الحر، وأكد «وحيد الاكبروف» رئيس شركة «لوك أويل» إن شركته ستشترك في المرحلة الثانية من المناقصات العامة التي أعلنت وزارة النفط العراقية عن طرحها لاجتذاب شركات عالمية إلى العراق لاستثمار حقول نفطية، والتي ستبدأ في الخريف لتشهد منافسة بين 45 شركة من جنسيات مختلفة لتطوير عشرة حقول نفطية مكتشفة في انحاء متفرقة من البلاد، والتي ستزيد انتاج النفط نحو مليونين ونصف المليون برميل يومياً.وأضاف أن«لوك أويل» تتطلع إلى الفوز بعقد استثمار حقل«غرب القرنة 2» بالتعاون مع شريكتها الأميركية «كونوكو فيليبس».
ولاشك أن حصول شركة «لوك أويل» على عقد استثمار حقل«غرب القرنة 2»،سيتيح فرص عمل لأكثر من 15 ألف شخص، وسيزيد من عائدات الخزينة الحكومية العراقية، باعتبار أن الشركة الروسية كانت قبل الحرب قد أنهت بالفعل المراحل الأولى في عمليات استثمار الحقل المذكور.
وتسببت الحرب في إيقاف أعمال التنقيب واستخراج النفط من هذا الحقل. وقد اعتبر وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني إن الخبرة التي تملكها شركة لوك أويل الروسية في استثمار حقول النفط العراقية تزيد فرصتها في الحصول على عقد استثمار حقل «غرب القرنة 2»، والعمل في العراق بشكل عام.
وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تسعى إلى اجتذاب استثمارات أجنبية لدعم الصناعة النفطية من أجل زيادة إنتاجها إلى 4 ملايين برميل يوميا. إلا أن واقع الحال لا يبشر بتوفر إمكانية لعودة الشركات الروسية للعمل في السوق العراقي.
حيث بدأت وزارة النفط العراقية في منح بعض الشركات الغربية تراخيص استخراج النفط واسثمار عدد من الحقول العاملة، حيث حصلت شركة (بريتش بيتروليوم) على حق استثمار حقل «الرميلة»، كما حصلت شركة «نيبون اويل كورب» اليابانية على حق استثمار حقل« الناصرية» الذي يشكل إنتاجه حوالي 10% من إجمالي إنتاج النفط العراقي،ما أثار اعتراضات كبيرة في أوساط البرلمان العراقي.
وفي ظل احتدام الصراعات السياسية بين واشنطن وطهران حول توزيع النفوذ في العراق، وإصرار العديد من صناع القرار في البيت الأبيض على عدم تنفيذ وعود الرئيس الأميركي الجديد بسحب القوات الأميركية من العراق يبدو أن تركيبة ميزان القوى السياسية داخل العراق لن تشهد تغييرات ملموسة تساعد على انفتاح الأسواق العراقية على كافة الشركات والمؤسسات الأجنبية.
والمشكلة الحقيقية أن هذه الصراعات لن تقدم مكاسب للعراق، ولن تحقق مصالح الشعب العراقي، لأن الصراع الدائر والذي يعيق بشكل كامل حرية العمل الاستثماري في العراق، لن يمكن حكومة بغداد من الحصول على افضل الاختيارات، وإنما سيكون الاختيار ضمن الإمكانات المتوفرة.
إن ما يجري هو عملية تعسف مفتعلة تقضي على أهم محاور الاقتصاد الحر وقوانين السوق، عندما تحاول بعض الأطراف الدولية استغلال ثروات الشعوب الأخرى لا وفق منطق المنافسة الحرة ،وإنما بمنطق القوة والسلاح.
هذا الوضع لابد وأن يزيد من حركة الاحتجاج المتصاعدة في العراق والتي تستغلها قوى الإرهاب لحساب بعض أطراف الصراع، تحت ستار المقاومة، لتشوه صورة المقاومة الحقيقية التي تسعى لتحرير الإرادة الوطنية من المؤثرات الخارجية التي تملي عليها ما يتعارض مع مصالح البلاد.
خبيرة الطاقة الروسية