أغرقتنا السياسة الأمريكية وطغيان الإعلام الأمريكي بالمحرمات، منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 المشؤوم، وزادت حماقات منظمة القاعدة وفروعها وفروع فروعها والمغامرون الذي يتلطون بها أمرنا تعقيداً، فلم يعد الصحفيون والكتاب العرب يجرؤون على المغامرة بكلمة نقد للسياسة الأمريكية وممارساتها هي وحلفائها الأوروبيين وعسكر حلف (الناتو) الخاضعين لها، حتى لو كانت سياسات همجية عدوانية بدائية لا إنسانية، تمارس تحت شعار محاربة الإرهاب وشياطينه وشروره.

ولاشك أن الإرهاب وحشي وشروره عظيمة على الإنسانية وأن أضراره تطاول معظم الشعوب العربية والإسلامية أيضاً، ويستحق بدون شك الشجب والإدانة وشن الحرب عليه، ولكن ليس كل ما يلمع ذهباً، ولا كل من يحتج على الظلم إرهابياً، أو كل من يقاوم الهيمنة والاحتلال شريراً وشيطاناً كما تفضلت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، وليس العساكر الأمريكيون فضلاء يحاربون من أجل الخير والسلام للبشرية.

وربما من المشكوك فيه أن الإرهابيين والعمليات الإرهابية تشكل خطراً ماثلاً على العالم الغربي الأوروبي والأمريكي يستحق كل هذا الطغيان السياسي والإعلامي، وكأن الحرب على الإرهاب حرب لا نهائية نعرف تاريخ بدايتها ولا أحد يعرف موعد نهايتها، وتدفع شعوبنا العربية والإسلامية ثمناً فاحشاً تحت شعار مكافحة الإرهاب والخلاص منه، وترتكب السياسة الأمريكية والأوروبية وعساكرها أبشع الفواحش تحت بيرقها، وتقام السجون غير القانونية، ويقتل المدنيون.

وتنتهك الأعراض، وتسرق إمكانيات البلاد وثرواتها، ويعفى الجنود والقتلة من جرائمهم وكل ذلك من أجل عيون مكافحة الإرهاب، ويُطلب منا ليس السكوت فقط، بل تأييد هذه الموبقات، ليصدقوا أننا شركاء لهم في محاربة الإرهاب، ومن يجرؤ على الكلام فتهمته جاهزة، وعقوبته ماثلة، إن لم تكن عقوبة محسوسة ملموسة فهي عقوبة معنوية على الأقل، وهكذا دخل الخوف إلى نفوسنا، وبتنا ـ بالكاد ـ نشير إلى الظلم والهيمنة.

نفذت منظمة القاعدة عمليتها المشينة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، هكذا قالت لنا السياسة الأمريكية ووسائل الإعلام الأمريكية (لم ينشر التحقيق بكامله وبتفصيلاته حتى الآن) واستأنا كما استاء الأمريكيون، وشعرنا بالاشمئزاز مثلهم.

إضافة إلى أننا شعرنا بعدم جدوى مثل هذه العمليات الإرهابية وعدم فائدتها لبلادنا ولقضايانا ومعتقداتنا، فقد حولوا الإسلام بنظر من لا يعرفه، إلى دين عنف وقتل وتدمير، ونزعوا عنه جوهر تعليماته في إرساء العدل والتسامح وإقرار التساوي بين البشر، ومنذ ذلك الوقت، وجدت إدارة الرئيس بوش فرصتها، فبدأت تطبيق نظريتها في صراع الحضارات.

وخاصة الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية (مما راق للقاعدة التي استمتعت بمثل هذه التهمة) وقد استخدم الطرفان اسم الحروب الصليبية ومبرراتها في أدبياتهما، وتطبيقاً لذلك هاجمت القوات العسكرية الأمريكية أفغانستان بعنف وهمجية، ولم تستثن المدنيين الآمنين، ولا المنشآت غير العسكرية، ثم احتلت أفغانستان بالتعاون مع بعض أمراء الحرب، ونصبت حكومة على هواها، قالت إنها ستطبق الديمقراطية وتجعلها نهج حياة.

وانهارت حكومة طالبان (غير مأسوف عليها من أحد) وغادرت القاعدة أفغانستان إلى بلاد أخرى، ولم تعد موجودة فيها، مع استمرار الظلم فرخت القاعدة تنظيمات منفصلة عنها في العراق والصومال وبلدان المغرب العربي واليمن وبعض بلدان الخليج، وليس هناك في الواقع أي رابط تنظيمي بين منظماتها الآن.

أصبح الأمر ببساطة كما يلي: قوى عسكرية من حلف الناتو أمريكية وأوروبية تحتل أفغانستان تحت مبرر مكافحة الإرهاب، (الذي لا منظمة له في أفغانستان) تنصّب حكومة حليفة لها، وقوى طالبان (المتخلفة والمتطرفة) التي تحاول طرد القوات العسكرية الأجنبية والعودة لحكم أفغانستان، وغرقت الولايات المتحدة وأغرقت معها أوروبا بوحول الحرب، والعسكر يقضون نحبهم، والقنابل تتساقط على رؤوس الأفغانيين، وعشرات الضحايا تقضي يومياً، ورحى الطاحون تدور والمليارات تدفع، وما من ضوء في نهاية النفق.

مازالت السياسة الأمريكية والأوروبية تصر على كذبتها بأنها تحارب الإرهاب في أفغانستان لئلا تحاربه في بلادها، ولكن الطالبان، رغم تخلفها وتطرفها ورداءتها، لم تقم بأية عملية إرهابية خارج بلادها، فلماذا تلقي عليها السياسة الأمريكية تبعات إرهاب القاعدة، وتلصق بها تهماً لم ترتكبها، وتستمر في حربها العبثية التي لا منعت إرهاباً ولا حققت ديمقراطية ولا تنمية ولا خففت من زراعة الحشيش.

لم يرتح محتل باستعمار أفغانستان خلال التاريخ، منذ الاسكندر المكدوني والدولة الساسانية في العصر القديم إلى الاستعمار الإنكليزي والاحتلال السوفييتي في عصرنا، فكيف خطر للأمريكيين أنهم سيستطيعون حكم هذا البلد البائس، الذي أصبح الآن يتمنى عودة أمراء الحرب وزعماء القبائل بل وتخلف طالبان لحكمه، للخلاص مما هو فيه، من تعرض للتفجير والتدمير والقتل والفقر والجوع، إلى المرض وانعدام خطط التنمية، واستطراداً إلى فقدان الحرية والديمقراطية وهيمنة القبائل التي تسحقه بتقاليدها وقيمها، ويزيد العسكر الغربي الكوارث كارثة باستخدام (ما لذ وطاب من أسلحة التدمير والقتل) حتى أصبحت أفغانستان حقل تجارب وتدريب للسلاح الجديد والجنود الأغرار.

من خلال التاريخ الأفغاني، والواقع الذي نشهده ونسمع به كل يوم، يبدو انه لم يعد أمام الأمريكان إلا تبني سياسة جديدة ترتكز على أمرين:

الانسحاب العسكري من تلك البلاد، ودعم خطط التنمية التي من شأنها أن تغير علاقات الإنتاج وأنماط الإنتاج والحياة في هذه البلاد البائسة، وهذه الإجراءات على صعوبتها وبطئها هي الطريق الأفضل والأكثر جدوى ونفعاً مما هو قائم حالياً، فهل ستفعلها إدارة الرئيس أوباما.

أم سيصر على الخطأ كما أصر قبله الرئيس جونسون الديمقراطي ونيكسون الجمهوري، على متابعة سياسة الحرب في فيتنام التي لم تنته إلا بعد أن خسرت الجيوش الأمريكية حوالي ستين ألف قتيل ثم هزمت شر هزيمة.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org