هناك نقاط تشابه بين روسيا التي عادت إلى الحضور السياسي القوي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن المنصرم، وبين العراق الجديد الذي يسعى إلى الحضور في الصورة الإقليمية التي كان فيها.
التشابه هو في سياق الأحداث التي مر بها البلدان، فقد خسرت الدولتان الحرب. خسر الاتحاد السوفييتي الحرب الباردة التي دامت ما يقرب من أربعة عقود من السنين، في حين خسر العراق الحرب مع الولايات المتحدة. في الحالتين انهارت الدولة الأصلية وحدث تغير كبير في استراتيجيات وسياسات الدولتين حديثتي الولادة، وعمت الفوضى وساد الفساد وتفككت منظومة القيم وأصبح المستقبل مجهولاً. كانت القابلة في الحالتين هي الولايات المتحدة التي لا تكن وداً للدولتين.
كما أن هناك نقاط تشابه أخرى بينهما كذلك، فكلا البلدان يمتلكان ثروات طبيعية كبيرة، خاصة الثروة النفطية، ويمكن القول ان في كلا البلدين عدداً كبيراً من الكفاءات القادرة على الإسهام بفاعلية في إعادة بناء ما تهدم من بلدهم ووضعه في المسار الملائم. كما أن كلا البلدين يتميزان بالتنوع الإثني والديني، وقد عانى كلاهما من هجمات إرهابية طالت عاصمتيهما.
وهنالك نقطة تشابه أخرى مهمة بينهما، وهي أن البلدين قد انتقلا فجأة من نظامين شموليين، تأصلت قيمهما في سلوكيات الفرد والمجتمع إلى حدود بعيدة، إلى نظامين منفلتين الممارسات فيهما أكثر قرباً إلى الفوضى منها إلى الديمقراطية، لا خبرة للفرد فيه في ممارسة حقوقه في أطر القوانين والأعراف والأخلاقيات الديمقراطية المتعارف عليها.
البلدان كانا مستهدفين بشدة من قبل الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، فروسيا وريثة الاتحاد السوفييتي الذي عانى منه الغرب الكثير على مدى عقود طويلة والذي يرى فيها الخصم الذي يحول دون فرض سيطرته الكاملة على العالم، وكذلك العراق الذي أصبح رقماً يحسب حسابه في تعكير صفو المصالح الغربية في المنطقة، والخطر الأكبر على أمن إسرائيل منذ ثورة الرابع عشر من يوليو عام 1958.
ولكن روسيا نجحت في النهوض، أما العراق فقد فشل، أو في أحسن الحالات يسير بخطى متعثرة قد لا تساعده على النهوض، بل قد تزيد في حجم كبوته. عادت روسيا إلى الساحة الدولية بقوة، في حين يستمر تراجع الدور العراقي وتستمر أهميته في الانحسار.
في ظروف خاصة جداً، في المفاصل المهمة من الحياة، وهي مناسبات قليلة في تاريخ الشعوب، يكون للفرد القائد دور أكبر كثيراً من الدور الذي يمكن أن يلعبه في أي ظرف زمني ومكاني آخر. ففي التاريخ الحديث لا أحد يقلل من أهمية وخطورة الدور الذي لعبه أشخاص تزامنت حاجات بلدهم مع رؤاهم الشخصية ومواقعهم السياسية وقدراتهم القيادية لرسم مسارات الأحداث. أمثلة عن ذلك من العصر الحديث: فلاديمير لينين في روسيا، مصطفى كمال في تركيا، الجنرال ديغول في فرنسا، نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا.
مرت كل من روسيا والعراق في ظروف خاصة تعتبر مفصلية في حياة شعبيهما، فقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي حدثاً زلزالياً كبيراً، هز العالم أجمع وترك حطاماً كسيحاً عشعش فيه الفاسدون، في حين كان لانهيار الدولة العراقية وسقوطها في التاسع من أبريل عام 2003 أن يضيف الكثير إلى المعاناة التي كان يشكو منها معظم العراقيين، كما أضاف ما هو جديد في مجال إضعاف البنية الاجتماعية وتحويل الصراعات السياسية إلى صراعات عرقية وطائفية.
استمر مخاض القيادة لبضع سنوات في روسيا، وتحديداً إلى نهاية عصر بوريس يلتسين الذي سادت فيه الفوضى وعم الفساد وسرقة الأموال العامة، أما في العراق وقد مضى على الانهيار ما يقرب من سبع سنوات، فأزمة القيادة لا تزال ماثلة بوضوح، إذ لم يستطع أحد من قادة الكيانات السياسية أن يفرز نفسه كقائد غير منازع.
النهوض الروسي بدأ مع مجيء الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة، بعد ثماني سنوات تقريباً من انهيار الدولة السوفييتية. لم يستلهم الرئيس الروسي الجديد الديمقراطية الغربية دليلاً هادياً في العمل لبناء المستقبل، وإنما استلهم العزيمة الروسية للعودة كقوة عظمى يحسب حسابها، ولم يتقبل، ودولته في أقصى درجات ضعفها، أن يكون في حضانة أحد. الأسباب الأساسية لنجاحه هي أنه يحمل أجندة روسية وطنية واضحة، تتضمن محورين أساسيين: أولهما القضاء على الفساد الذي دمر الاقتصاد الروسي وفكك الدولة وألغى هيبتها، وثانيهما استغلال الثروات الطبيعية، خاصة النفط والغاز، بعيداً عن شركات النفط الغربية التي وجدت في انهيار الاتحاد السوفييتي فرصة ذهبية للهيمنة سياسياً واقتصادياً على واحد من أبرز وأثرى البلدان في العالم.
لم يتوقع أحد أن يحتفظ الرئيس فلاديمير بوتين بمركزه أكثر من بضعة شهور، فهو لم يكن معروفاً في الوسط السياسي الروسي، إذ كان أحد الرجال الذين عملوا في طاقم الرئيس بوريس يلتسين الذي كان الخبراء يرون أنه يقود سفينة في طريقها للغرق. إلا أن ما قام به من إنجازات كبيرة في فترتين انتخابيتين، جعله أحد القادة التاريخيين في روسيا. فقد حصل خلال السنوات العشر التي قضاها رئيساً لروسيا الاتحادية، على دعم جماهيري بلغ معدله 74%، وهو رقم من الصعب على أي رئيس دولة الحفاظ عليه.
بوتين ظهر في روسيا فارساً مقداماً، في ظروف بدأت فيها الديمقراطية تقود إلى الفوضى وإلى التفكك، وبرزت صورته لدى عامة الناس كصورة جندي نظيف اليد جسور القلب، أحاط نفسه بطاقم يحمل طموحاته، واستند إلى استشارة من لديه القدرة على تقديم المشورة بنزاهة وواقعية وموضوعية، وهذا في الحقيقة سبب ثالث لنجاحه في رسم السياسات الصحيحة واتخاذ القرارات المناسبة. ما أكثر حاجة العاملين في الحقل السياسي في العراق إلى قراءة سيرة رجال عظام، فالعراق في الظرف الراهن أحوج ما يكون إلى قيادة تاريخية من نمط فلاديمير بوتين.