سؤال كبير يفرض نفسه علي وعلى معظم الأساتذة في الجامعات، لا أعتقد أن أيا منهم لم يقض مضجعه هذا السؤال بين حين وآخر: لماذا ينحدر مستوى الطلبة والطالبات في الجامعات من عام إلى آخر؟ ولماذا كلما تأتي دفعة تكون ضعيفة فيما تحمله أساسا معها من العلوم والمعارف التي «يُفترَض» أنها قد حصّلتها في سنوات التعليم العام، وضعيفة في قدرتها على التحصيل في قاعات الدرس الجامعي؟
لا أريد أن أقول إن الطلبة والطالبات في السابق كانوا عباقرة، لكن على الأقل كان لديهم شيء من العلم، وشيء من رغبة في تحصيل ما ليس عندهم منه. كان لديهم شيء من الحرص على الحضور لأجل الدرس نفسه، للاستفادة، للاستزادة، للسؤال والاستفسار عن بعض الأمور التي «فكروا» بها، أو «بحثوا» عنها، ولم يصلوا إلى جواب أو حل لها. يمكن أن نختصر كل ذلك في أنهم كانوا «يعرفون» شيئًا ربما يكون قليلا، و«يريدون» أن يعرفوا شيئا آخر أيضًا حتى إن كان ذلك قليلا بمقاييس الأساتذة، أو بمقاييس الأشخاص النهمين للعلم والمعرفة، لكنهم «يعرفون»، و«يريدون»، و«يفكرون»، ويبحثون»، ولو كان بنسب متفاوتة.
الذي نجده الآن في قاعات الدرس الجامعي شيء مختلف تمامًا، إنهم طلاب وطالبات أقرب إلى طلاب المرحلة الإعدادية دون كثير مبالغة، بكل ما تحمله هذه المرحلة من إشكاليات العمر والتقلبات المزاجية المرافقة لتغيرات أخرى يمرون بها في هذه الفترة من العمر.. الحيرة وعدم المعرفة، وعدم الرغبة في المعرفة، واللامبالاة وعدم الإحساس بالمسؤولية، والإهمال، والسلبية، وأحيانًا الإحساس بالظلم والقهر، وأشياء كثيرة أخرى. لست أدري ما سبب هذا، لكنه حتمًا لم يحدث دفعة واحدة.
إنما مرّ الطلبة والطالبات بمراحل، ربما قرعنا خلالها ناقوس الخطر أكثر من مرة، في محاولة التنبيه إلى تدني مستويات الطلبة في التحصيل الدراسي وفي الثقافة عامة، دون أن يتفاعل أحد مع تلك الصرخات والاستغاثات. النتيجة التي وصلنا إليها الآن أننا نقف في القاعات أمام طلبة وطالبات لا يعرفون من أبجدية تحصيل العلم شيئًا، فما بالنا بما هو أكثر من ذلك مما هو مطلوب ومتوقع من طالب وصل إلى الجامعة؟
إننا نتنفس خواء، يحيط بنا من كل الزوايا والاتجاهات، يكاد يطبق علينا فلا نجد منه خلاصًا. لا أعرف كيف وصلنا إلى هذا المستوى الذي أصبح فيه الطالب الجامعي كطالب المرحلة الإعدادية، لا فرق بينهما لا من حيث المستوى الفكري ولا التحصيل الأكاديمي، وربما إذا حاول أحدنا إيجاد سبعة فروق بينهما سيواجه صعوبة في ذلك.من المسؤول؟
المعلم في المدرسة، أو الأستاذ في الجامعة؟ من السبب في الواقع السيئ الذي نراه ماثلا أمامنا: وزارة التربية والتعليم، أو وزارة التعليم العالي؟ على من تقع مهمة تصحيح وتعديل هذا الوضع؟ إنها حلقة دائرية لا بداية لها ولا نهاية، و«الاتهامات» متبادلة بين طرفين لا يكاد يستغني أحدهما عن الآخر: الميدان التربوي وقاعات الدرس الجامعي. كلا الطرفين مسؤول عن الخلل الفادح الواضح في «المنتج» البشري الذي اصطُلح على تسميته «المعلم».
أذكر أنه في أحد المؤتمرات التي نُظمت عن اللغة العربية، -وكان من بين الأوراق المقدمة ورقة تناقش اللغة العربية في مناهج التعليم في الدولة-، حدث على هامش الجلسات، حوار بين موجه وأستاذ جامعي، الموجه «يوجّه» اللوم للأستاذ الجامعي لأنه يرى أنهم السبب في تخريج مدرسين غير أكفاء، ورفد الميدان التربوي بأشخاص غير مؤهلين للتعليم، فإذا بالأستاذ الجامعي يجيبه بأن هؤلاء الطلاب هم أولئك الطلاب الذي أنهوا التعليم العام وحصلوا على شهادة الثانوية العامة.
وبعضهم بتقديرات جيدة جدا وممتازة، ولكنهم مفرغون جدا من الداخل، وكثيرون منهم لا يستطيعون أن يقرأوا نصًا بسيطًا دون أن يخطئوا عدة أخطاء في السطر الواحد، ومعظمهم لا يعرفون الفرق بين التاء المربوطة والهاء، وبين مواضع همزات الوصل وهمزات القطع، هؤلاء الطلاب أنهوا كل سنوات التعليم العام، واجتازوا اختبارات الثانوية العامة، ووصلوا إلى الجامعة على الرغم من أن مستواهم الحقيقي لا يسمح لهم بذلك، فمن الذي أوصلهم للجامعة؟
ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضًا أنه إذا كان مستوى الطالب الذي تخرج في الجامعة ضعيفًا، ودخل اختبارات الحصول على وظيفة في وزارة التربية والتعليم، فكيف يجتازها ويُعيَّن وهو ضعيف لا يملك من أمر العلم شيئًا؟ من الذي سمح له بالتدريس على الرغم من أنه تخرج بمقبول وأبلى بلاء سيئًا في المقابلة الشخصية وفي الاختبار؟؟
إن الأساس هو التعليم العام، وزمام الأمور بيد وزارة التربية والتعليم، هناك ؟في المدارس- إما أن تنصلح أحوال الطلبة، أو أن تبقى كما هي، أما حين يصلون إلينا في الجامعات فإنهم يكونون قد بلغوا مرحلة لا نستطيع أن نقوم معها بتغيير يُذكر، على الرغم من محاولاتنا الدؤوبة، لكنها في كثير من الأحيان تواجَه بصخر لا مبالاتهم، وعدم إدراكهم حقيقة وضعهم المؤسف.
لقد غابت الدوافع الذاتية للتعلم، إذ بعد أن كان الناس يسافرون من مكان إلى آخر بحثًا عن العلم والفائدة، ليعودوا إلى بلادهم ويفيدوا أهلهم ومجتمعهم، أصبحوا الآن يبحثون عن الأسباب التي توصلهم إلى الشهادة فقط، أي أن التعليم أصبح أمرًا شكليًا لدى الكثيرين، فالمهم هو أن يحمل صفة (خريج).
أو أن تكون له وظيفة جيدة، وهذا أمر يتحقق بمجرد الحصول على شهادة، ولا يهم إن كانت بمعدل ممتاز أو معدل مقبول، المهم أنها شهادة. غياب هذه الفروقات المهمة وتحويلها إلى أمور شكلية بسيطة هو الذي جعل الكل متساوين وهم ليسوا كذلك. وهو الذي يسرب الإهمال والتكاسل أحيانًا، واليأس أحيانًا أخر إلى نفوس أشخاص يمتلكون العقل والذكاء والقدرة على التحصيل الممتاز، لكنهم لا يرون ضرورة لاستخدام كل ذلك ما داموا سيصبحون هم وغيرهم ممن هم أقل منهم ذكاء أو اجتهادًا سواء بمجرد الحصول على «شهادة».
ربما يجدر بنا البحث عن الحلقة المفقودة بين الميدان التربوي والأقسام المتخصصة في الجامعات المحلية، كي يعرف كل منهم رأي الآخر في واقع طلبتنا وطالباتنا، ويقدم كل منهم آراءه وحلوله ومقترحاته فيما يمكن فعله لتجنب الانحدار أكثر. ليس هذا فقط ما يمكن عمله، لكن هذا ما يمكن البدء به على الأقل، الحوار المفتوح والصريح حول إشكالياتنا المهمة، وهو ما نفتقده كثيرًا، وسنفقد معه الكثير.