يعتبر الإسلام الديانة الثانية في روسيا بعد المسيحية الأرثوذكسية الشرقية، وذلك من حيث تعداد المسلمين الذي يقترب من عشرين في المائة من تعداد سكان روسيا حسب الإحصاءات الرسمية، في حين تؤكد جهات عديدة أن هذه الإحصاءات قديمة وأن التعداد يقترب من ربع السكان بحساب زيادة النسل عند المسلمين بعكس التراجع الكبير في عدد المواليد المسيحيين، كما أن تاريخ الإسلام في روسيا يرجع للقرن الثامن الميلادي قبل إعلان المسيحية الأرثوذكسية الديانة الرسمية لروسيا.
من هذا المنطلق يتعامل النظام الحاكم في روسيا مع الدين الإسلامي باهتمام بالغ يثير أحيانا حنق وغضب الطوائف الدينية الأخرى.
وخاصة المسيحيين الكاثوليك واليهود والبوذيين، وقد زاد اهتمام الكريملين بالإسلام والمسلمين في روسيا مع تزايد حدة الأحداث المؤسفة في شمال القوقاز مع عودة نشاط الجماعات المتطرفة التي تقوم بعمليات تخريب وتفجيرات واغتيالات تؤكد الحكومة الروسية أن وراءها تقف جهات أجنبية تستهدف أمن روسيا واستقرارها.
و قد التقى الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف منذ أيام قليلة مع زعماء وقادة المسلمين في شمال القوقاز، ناقش معهم سبل ووسائل التوعية بتعاليم الدين الإسلامي الصحيحة التي يشوهها المتطرفون والمخربون، وقد أسفر اللقاء عن نتائج هامة اعتبرها البعض تحول تاريخي غير مسبوق في التعامل مع المسلمين في دولة مسيحية.
حيث طرح الرئيس ميدفيديف مشروع إنشاء قناة فضائية إسلامية تتولاها الحكومة الروسية وتنفق عليها، وتكون هذه المحطة على أحدث مستوى تقني وعلمي، علما بأنه لا توجد في روسيا أية قناة دينية لا مسيحية ولا غيرها، الأمر الذي جعل البعض ينتقد ويهاجم هذا المشروع معتبرا إياه تمييزا غير عادل في التعامل مع الطوائف الدينية المختلفة في روسيا، ولكن على ما يبدو أن الكريملين مصمم على تنفيذ هذا المشروع بغض النظر عن الانتقادات الموجهة إليه.
خاصة،أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي يتبعها أكثر من سبعين في المائة من الشعب الروسي تؤيد هذا المشروع بحماس بالغ يثير غضب وحنق الطوائف الدينية ألأخرى، وخاصة اليهود والمسيحيين الكاثوليك.
و في اللقاء مع زعماء مسلمي شمال القوقاز أكد الرئيس ميدفيديف على براءة الإسلام من كل ما ينسب إليه من إرهاب وتطرف، وقال إن الإسلام عاش مع المسيحية في روسيا قرونا طويلة لم يحدث خلالها بينهما أية مشاكل أو صدامات، وأن المسلمين أثبتوا دائما على مر التاريخ ولاءهم لوطنهم الأم روسيا وتفانيهم في الدفاع عنه ضد الأعداء.
وقال ميدفيديف أنه «بدون تقديم الإسلام للناس في صورته الصحيحة وبدون ترسيخ هيبة زعماء المسلمين المعتدلين لا نستطيع التغلب على مشاكل التطرف والإرهاب»، وأكد ميدفيديف لزعماء المسلمين الروس دعم الكريملين والحكومة الروسية الكامل للإسلام والمسلمين في روسيا قائلا:تستطيعون الاعتماد كلياً على دعم الدولة الروسية ورئيسها .
مشروع قناة التليفزيون الروسية الإسلامية الذي ستتولاه الحكومة الروسية سيشرف عليه علماء وفقهاء مسلمون على أعلى مستوى، وسيهتم في الأساس بشريحة الشباب من المسلمين الروس الذين تستقطبهم الجماعات المتطرفة الإرهابية، كما ستوجه القناة لغير المسلمين من مواطني روسيا حتى يعرفوا حقيقة الدين الإسلامي وشريعته السمحة التي تحترم معتقدات الآخرين وتأمر بالتعايش معهم في سلام ومودة.
ويأتي هذا المشروع في إطار الاهتمام الواضح للنظام الروسي بالإسلام والمسلمين، والذي عكسته زيارة الرئيس ميدفيديف للمسجد الكبير في موسكو في يونيو الماضي، وهي الأولى من نوعها في تاريخ روسيا المسيحية التي يوجد فيها الآن أكثر من ستة آلاف مسجد بعضهم يفوق في المساحة والعمارة مساجد أخرى في دول إسلامية كبيرة.
كاتب روسي