اعتبر العديد من الخبراء والباحثين أن قيام القوات الروسية بمناورات «لادوغا 2009» في أغسطس، ومناورات «غرب 2009» في منطقة كالينينغراد الروسية وبيلاروسيا في سبتمبر، بمشاركة جميع الوحدات البحرية الروسية المرابطة في بحر البلطيق وبحار الشمال، ومشاركة نحو 60 ألف جندي وضابط في هذه المناورات.

يعبر عن مساعي موسكو لاتخاذ خطوات نحو بسط نفوذها على المنطقة عسكرياً في إطار تنفيذ مشروع خط الغاز «التيار الشمالي»، وأن حادث اختطاف سفينة «اركتيك سي» التي قادها طاقم روسي، كان ذريعة لتكثيف النشاط العسكري الروسي في بحر البلطيق. باعتبار أن الوضع العسكري السياسي في منطقة بحر البلطيق سيتغير تغيرا جوهريا مع مد أنبوب الغاز في قاع البحر.

فيما ترى وزارة الخارجية الفنلندية إن مصالح روسيا في بحر البلطيق مصالح تجارية وليست عسكرية سياسية. أما رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك فيرى ان بولندا لديها شكوك حول آثار خط أنابيب الغاز «التيار الشمالي» الذي يجب أن يمتد على قاع بحر البلطيق من وجهة نظر اقتصادية، وبيئية،إلا أن هذا المشروع لا يعتبر محورياً في العلاقات الروسية البولندية، وأضاف ان بلاده لا تشك بنوايا روسيا السياسية.

ولاشك أن الدوافع الاقتصادية هي الجوهر الأساسي لمشروع خط الغاز الشمالي،إلا أن هذا لا يلغي أهمية استعادة روسيا لمواقعها العسكرية في بحر البلطيق والتي ضعفت بعد انضمام دول البلطيق إلى حلف الناتو. وفي ظل خطط الغرب لنشر منظومات صاروخية على أراضى دول البلطيق، وخطة واشنطن لنشر درعها الصاروخية على أراضى بولندا وتشيكيا.

ولابد من القول أن مشروع خط الغاز «التيار الشمالي» اثار حملة انتقادات عنيفة في أوروبا، حيث وجهت دول البلطيق وبولندا انتقادات لموقف ألمانيا والاتحاد الأوروبي بسبب «عدم الاكتراث» بمصالح الأمم الأوروبية «الصغيرة».

خاصة بعد رفض المفوضية الأوروبية لمشروع مد أنبوب الغاز «أمبر» الذي اقترحه رئيس وزراء بولندا السابق عبر أراضي بولندا وأوكرانيا وليتوانيا، ومساندة فرنسا للمشروع. وأعربت بلدان البلطيق المجاورة لروسيا آنذاك عن قلقها، بسبب وجود مخاطر على بيئة بحر البلطيق، بِاعتبار أن البحر ليس عميقا (يبلغ متوسط عمقه 71 مترا) ولا يزال يحتوي على مخلفات الحرب العالمية من ألغام ومواد كيماوية سامة مدفونة في القاع.

إلا أن جوهر الخلاف يكمن في أن هذه الدول ستفقد أحد مصادر الدخل، وسيضمن هذا المشروع درجة عالية من الاستقرار في مجال الطاقة بالنسبة لأوروبا، وسيحقق خط الأنابيب المذكور أرباحا تصل إلى 4 مليارات دولار السنة الأولى، كما سيؤدي لتخفيض تكاليف النقل بالنسبة لروسيا، والتي تشكل 20% من الإيرادات عند نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا وحدها.

ولعل أهمية هذا الخط في نقل الطاقة إلى أوروبا دفعت الأوساط السياسية في دول البلطيق لشن حملة على روسيا وألمانيا، واعتبرت أن اتفاق نقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق يساوي اتفاقية عدم الاعتداء التي وقعتها ألمانيا مع الاتحاد السوفييتي قبيل بدء الحرب العالمية الثانية!

في محاولة لتعطيل هذا المشروع، الذي سيحقق نقلة نوعية في علاقات التعاون الروسية ـ الأوروبية، وسيوثق الصلات بين موسكو وبرلين، والأهم من ذلك بالنسبة لروسيا أنه سيزيد من عائدات تصدير الغاز للأسواق الأوروبية.

ويحاول العديد من الباحثين الترويج إلى أن هدف روسيا هو إحكام قبضتها على السياسة الأوروبية عبر واردات الغاز، لذا تتضمن خطط الحكومة الروسية خطوات تسعى لإزالة كافة العوامل التي قد تقلص قدرتها على تحقيق ذلك.

إلا أن الجانب الآخر من الموضوع، يكمن في أن الشركات الروسية العاملة في استخراج وتصدير الغاز، تسعى بالدرجة الأولى للتخلص من ضغوط المستهلكين التي تؤثر على مصالح المنتجين، والآثار السلبية لأطراف اضافية لها دورها في إيصال السلعة إلى أسواقها، تحاول هذه الأطراف التعيش على حساب منتجي الغاز الروسي ليس فقط بمعنى زيادة أرباحهم، وانما أيضاً استغلال ذلك سياسيا لتحقيق مكاسب شخصية. لذا بات من الضروري بناء صلات مباشرة بين المنتج والمستهلك تقوم على أسس علاقات السوق الحر، وإزالة كافة المعوقات التي تهدد مصالحهما.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru