الأزمة التي تمر بها العلاقات السورية العراقية حاليا، هي أزمة كاشفة تعبر عن تحول نوعي في مسار العلاقات العربية، وعن توازن جديد للقوى، وأيضا عن تحالفات عربية إقليمية جديدة. وبعيدا عن تطورات الأزمة وأسبابها وتداعياتها، فهي أبطلت التوقعات التي سادت في أعقاب التدخل الأميركي في العراق، بأن العراق وسوريا سيعبران عن تحالف إقليمي جديد في منطقة المشرق العربي، وكانت هذه التوقعات تنطلق من ثلاثة مداخل سياسية.

الأول أن الخلاف بين الدولتين هو خلاف بعثي في الأساس، وبخروج جناح حزب البعث العراقي من الحكم ستكون الفرصة مهيأة لعودة العلاقات الطبيعية بين البلدين. والمدخل الثاني هو أن سوريا كانت الدولة التي رعت معظم فصائل المعارضة العراقية، التي شغلت مواقع كثيرة في حكومات ما بعد رحيل صدام حسين، وهذا الأمر لا بد وأن يلعب دورا مهما في علاقات البلدين بالنظر إلى العلاقات التي تجمع بين أطراف الحكم فيهما.

أما المدخل السياسي الثالث، فقد كانت هناك توقعات بأن العراق الجديد سيكون على علاقة طيبة، بل واستراتيجية مع إيران التي تجمعها بسوريا علاقات طيبة واستراتيجية، فيما اعتبر آنذاك أنها فرصة لتشكيل محور إقليمي جديد يوازن بين محاور أخرى متواجدة في المنطقة، خاصة وأن تداعيات ما بعد حرب العراق أنهت أسطورة الشرق الأوسط الكبير التي روجت لها الولايات المتحدة، والتي كانت تسبب مخاوف في كل من سوريا وإيران، وقد اعتبر أن إيران ستقوم بعمل استباقي للحيلولة دون بروز أية مخططات أميركية أخرى حول النظام الإقليمي الجديد، وذلك عن طريق تشكيل تحالف معلن أو غير معلن بينها وبين كل من العراق وسوريا.

والتحول الأساسي الذي نتحدث عنه، ليس في أن العلاقات بين العراق وسوريا تأزمت، على الرغم مما طرحناه من توقعات تؤكد أن العلاقات بينهما لا بد وأن تكون جيدة، ولكن في تطورات وتجليات ما بعد تأزم العلاقات. فمن جهة فإن هذه التطورات دشنت نهاية ما يسمى بالنظام الإقليمي العربي، حيث غابت جامعة الدول العربية نهائيا عن محاولات الوساطة وإنهاء الخلاف وتصدت لها دولتان من دور الجوار الجغرافي هما تركيا وإيران.

وإذا كان النظام القومي العروبي قد خرج من الحكم في العراق، فإن سوريا مازال يحكمها نظام عروبي يؤمن بالقومية العربية، ويعتمد خطابه السياسي على أطروحاتها. وهذا الأمر يؤكد ضعف النظام الإقليمي العربي وهشاشته، ويعطى مؤشرا على أن النظام الإقليمي الجديد بدأت إرهاصاته تظهر علانية إلى الوجود، وإن كانت هذه الإرهاصات تختلف بصورة ما عن الصورة النهائية المتوقعة لهذا النظام، خاصة في ما يتعلق بالدور الإيراني المنتظر فيه.

ومن الأمور الملفتة للنظر في هذه الأزمة، أن تركيا أصبحت رقما مهما في معظم أزمات وقضايا المنطقة، وهو ما يمثل تحولا مهما في الدور التركي، ليس على صعيد أنها حورت من دورها في المنطقة من الحياد بين الدول وإزاء الصراعات المحتدمة فيها، وإنما على صعيد أن علاقاتها مع كل من العراق وسوريا بها أسباب كثيرة للأزمة، ومرت بفترات متعددة للصراع، خاصة في ما يتعلق بالخلاف حول توزيع مياه نهرى دجلة والفرات.

لكنها استطاعت عبر سياسة متوازنة يسير عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أن تدشن دورا مهما ومركزيا لها في المنطقة المحيطة بها، جعلت الدول الأخرى نأمن لها، لأنها متأكدة من أنها ليست لها مطامع في الهيمنة، وإنما الدور الذي تسعى للقيام به متوازن ويحترم الدول الأخرى ودورها في المنطقة، إضافة إلى أن تركيا ليست منخرطة في أية خلافات إثنية أو مذهبية في المنطقة، اللهم إلا المسألة الكردية التي تعد من أسباب انخراطها في مشاكل العراق وسوريا، لأنها لا تريد أن تعطى فرصة للأكراد لكي يستثمروا الفراغ الأمني في مناطق من أجل إعادة أنشطتهم ضد الدولة التركية.

والمشكلة في الأزمة التي نشبت بين العراق وسوريا مؤخرا، أنها يمكن أن تكون مقدمة لصراعات ممتدة بين الدولتين، خاصة وأن تاريخ الدولتين يمكن أن يعطى انطباعا بذلك، وفي حالة التنافس بينهما على الدور والمكانة، فإن منطقة المشرق العربي يمكن أن تشهد صراعا ممتدا بين البلدين يمكن أن يتشابه مع ذلك الصراع بين الجزائر والمغرب في المغرب العربي، وهو صراع بدأ مع استقلال الدولتين ومازال مستمرا حتى الآن.

وهذا التوقع لو صح فهو يعني أن منطقة المشرق العربي ستدخل دولها في حرب باردة عربية جديدة، والخطير في الأمر أن الدول التي لن تتكيف مع معطيات وأدوار النظام الإقليمي الجديد، يمكن أن تغذي هذه الحرب أو تتداخل معها من أجل تحقيق مصالحها أو إبطال أدوار دول منافسة لها، الأمر الذي يضع على الدول العربية في المنطقة مسؤولية كبيرة، من أجل تحقيق مصالحها.