عاشت روسيا سبعين عاما في ظل الأيديولوجية الشيوعية حيث كانت الأهداف السياسية والاستراتيجية هي المسيطرة تماما في علاقات موسكو بالدول الأخرى، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي سعت روسيا للانفتاح على العالم واضعة الأهداف الاقتصادية في المقدمة، وفي سنوات التسعينات الماضية استقبل الغرب روسيا الجديدة بترحيب كبير.
واتضح بعد ذلك أن السبب وراء هذا الترحيب ليس هو التغيير في السياسة الروسية وذهاب الأيديولوجية الشيوعية، بل السبب الحقيقي كان هو حالة الضعف والانهيار التي بدت عليها روسيا في التسعينات، الأمر الذي جعل الدول الأخرى تنظر إلى روسيا على أنها فريسة وغنيمة حرب باردة انتهت بهزيمة وانهيار العدو السوفييتي، وأنه آن الأوان لتقسيم هذه الغنيمة ونهب ثروات هذا البلد المنهار.
وقد بدأت بالفعل عمليات النهب الواسعة للثروات الهائلة لهذا البلد الكبير بعد أشهر قليلة من انهيار الاتحاد السوفييتي وذلك عندما طرحت الحكومة الروسية برامج خصخصة المشاريع الروسية الكبيرة التي كانت ملكا للدولة، هذه المشاريع التي بيعت في خلال حقبة التسعينات بأقل من قيمتها عشرات المرات.
وقدر البنك الدولي خسائر روسيا من الخصخصة خلال التسعينات بنحو ثلاثة تريليونات من الدولارات، وكاد هذا الأمر أن يصل إلى حد الكارثة لولا ظهور نظام جديد في الحكم في روسيا في بداية الألفية الثالثة، نظام وطني يؤمن بقوة وعظمة الدولة وحقها في أن تشغل موقعها الريادي على الساحة الدولية.
لكن هذا النظام الوطني الجديد الذي قاده الشاب فلاديمير بوتين كان يعلم جيدا أن العالم قد تغير، وأن أفضل وسيلة للانفتاح على العالم الجديد هو التخلي عن الأطماع الإمبراطورية والتطلعات الأيديولوجية واستراتيجيات الهيمنة وفرض النفوذ على الآخرين، وأن العلاقات مع الآخرين يجب أن تقوم على أساس احترام إرادة واستقلال كافة دول العالم وحق شعوبها في تقرير مصيرها.
لقد قررت روسيا الجديدة أن تتعامل مع العالم الجديد على أسس جديدة وبأساليب جديدة تماما.
ولهذا قررت ان تتخلى عن أية طموحات هيمنة أو سيطرة على إرادة الآخرين، وعدم استغلال حاجة الآخرين لثرواتها ومساعداتها من أجل فرض نفوذ سياسي أو استراتيجي، واعتبرت روسيا الجديدة أن أفضل وسيلة للانفتاح على أسواق العالم هو منح الثقة للآخرين في ان روسيا ليس لديها أية أطماع سياسية واستراتيجية، وعلى هذا النهج كان التعامل في العلاقات الخارجية لروسيا مع جميع دول العالم منذ عام 2000 حتى الآن.
ولكن على ما يبدو أن هناك من لا يريد لروسيا أن تسير على هذا النهج الجديد، خشية منه أن يقوي نفوذها الاقتصادي في العالم بالشكل الذي يمنحها تلقائيا ما لا تريده ولا تسعى إليه وهو النفوذ السياسي والاستراتيجي، ويعيد لها (كما يدعون دائما) طموحاتها الإمبراطورية السابقة.
روسيا بطبيعتها دولة كبيرة تملك من الثروات الطبيعية الحيوية والهامة ما لا تملكه غيرها من الدول، وهي عملاق الطاقة العالمي كثاني أكبر منتج للنفط وأول منتج للغاز الطبيعي في العالم.
وتملك من الخبرات العلمية والبشرية ومن القوة العسكرية والنووية ما لا تملكه مجموعة دول أوروبية كبيرة مجتمعة، وهي المنافس الوحيد في القوة للولايات المتحدة، وفي عام 2007 قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت كلمة أغضبت الروس كثيرا حيث قالت «إن روسيا تملك ثروات غير عادلة»، وكأنها تقصد أنها لا تستحقها، ورد عليها الرئيس الروسي بوتين (آنذاك) قائلا «مثل هذا التفكير يعكس سوء النية الدائم لدى الأميركيين في التعامل مع روسيا».
سوء النية هذا في التعامل مع روسيا والسعي المستمر لتشويه سمعتها، وعدم الثقة والخوف دائما من روسيا القوية هو ما يعوق انفتاح روسيا على العالم ويعوق أيضا استفادة الآخرين من إمكانياتها الكبيرة.
كاتب روسي