متململا من طول الرحلة التي تقلني من باريس إلى مطار أبو ظبي، نظرت فجأة من خلال نافذة الطائرة وهي تطير بنا على ارتفاع 000,33 قدم عن سطح الأرض، واكتشفت أننا قد دخلنا حدود المملكة العربية السعودية مرورا بحدود المملكة الأردنية الهاشمية. ولم أر على مدى 3 ساعات متواصلة سوى صحراء قاحلة تماما إلا من بعض الخطوط التي تمثل فيما يبدو بعض الشوارع التي شقت لتربط بين بعض المدن العربية.
وأي شخص آخر غيري سيطرح على نفسه السؤال نفسه وبنفس علامة التعجب: كيف استطاع العرب الأوائل قطع كل هذه المسافات الشاسعة القاحلة الحارة ليصلوا بين المدن المتباعدة من مكة حتى الكوفة ودمشق مستخدمين وسائل نقل بدائية: كالجمال البطيئة السير؟ بل أن بعضهم من الفارين من ظلم الحاكم أو الأمير كان يقطعها سيرا على الأقدام! وكانت الرحلة المحفوفة بالمخاطر تمتد شهورا طويلة.
باختصار: هي امتلاك الجرأة قبل الإرادة! حيث لا تكفي الإرادة لتحقيق كل آمالنا والحصول على حقوقنا إن لم نملك الجرأة في تنفيذها.
الحقيقة أن واحدة من أسباب ضياع حقوق الأمة العربية والإسلامية هي انعدام الجرأة. فالقرارات تتخذ على استحياء. فمثلا اجتماعات جامعة الدول العربية أيا كانت دواعي اجتماعاتها عادية أو غير عادية لا تخرج إلا بقرارات لا تخرج عن حدودها الدبلوماسية، أي حبر على ورق. وعندما نتحدث عن الجرأة، فإن للجرأة شروطا وقواعد.
فاتخاذ القرارات لا يحتاج إلى جرأة، حين يعلم صاحبها أنها لن تنفذ ولن تغضب أحدا. ولكن التنفيذ هو ما يحتاج إلى الجرأة. ومع ذلك، فإن الجامعة العربية في نهاية اجتماعاتها الاستثنائية لمعالجة أمور في غاية الخطورة، تحاول أثناء صياغة قراراتها أو توصياتها ـ مع أن الجميع يعرف مسبقا بأنها مجرد حبر على ورق لا أكثر ـ أن ترضي الجميع (خوفا أو تخوفا) من غضب الآخر.
وحتى الإنسان العربي، ظل مضيعا حقوقه البسيطة بسبب الافتقار إلى الجرأة. والجرأة لا تعدو كونها حالة نفسية لا أكثر: مجابهة اللا مرئي دون التفكير في العواقب. فالعربي القديم الذي كان يقطع بمفرده آلاف الكيلومترات في صحراء قاحلة لا ماء ولا زرع ليصل من المدينة إلى البصرة لإيصال معلومة أو لتبليغ خبر أو هروبا من خطر، فإنه غادر بجرأة ودون اعتبار للمصاعب التي قد تواجهه في طريقه لأداء مهمته.
فهل نحن في حاجة في زمننا هذا إلى الجرأة ؟
بالطبع. نحن نفتقر إليها هذه الأيام. وما زلنا نلجأ إلى أسلوب التقية والاختباء خلف حججنا الواهية ودس رؤوسنا في الرمال بدلا من مواجهة الواقع بقوة وجرأة والمطالبة بحقوقنا بكل السبل الشرعية وغير الشرعية إذا لزم الأمر. ونحن رأينا كيف استخدمت بعض الدول العظمى كافة الأساليب غير الشرعية وبكل جرأة لتحقيق أهدافها غير الشرعية.
يبدو أن الغرب اختلف عنا في هذه المسألة. فالأوروبي على سبيل المثال جريء إلى حد بعيد، وتم تلقينه منذ الصغر كيف يكون جريئا في كل شيء: سواء في التصرف أو في المغامرة أو في التعبير عن رأيه أمام والديه أو في الدفاع عن حقوق الآخرين. وإلا فما تفسيرنا لقدرة الغربي في الدول المتحضرة على محاسبة كل من يخرج على القانون أيا كان علنا ودون خوف؟ وقد شبع الأوروبيون من تلك الجرأة، وتعدوها إلى الدفاع حتى عن حقوق الشعوب التي لا تتمكن من الدفاع عن نفسها بسبب فقرهم إلى الجرأة.
بالأمس قرأت خبرا مفاده أن أحد المخرجين الكنديين البارزين واسمه جون غرايسون قد سحب فيلمه القصير بعنوان (المستور) من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي TIFF المقرر في الفترة من 10 إلى 19 سبتمبر/أيلول احتجاجاً على برنامج للمهرجان يسلط الضوء على مدينة «تل أبيب» الإسرائيلية، محتجا بأن هذه التظاهرة تسلط الضوء على الجانب المضيء لهذه المدينة متجاهلة الجانب المعتم منها.
ولم يتردد هذا المخرج الكندي (لا هو عربي ولا هو مسلم) عن الإشارة إلى أن العام الماضي شهد: مذبحة غزة المدمرة، التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني، وانتخاب رئيس وزراء متهم بارتكاب جرائم حرب، والتوسع العدواني في المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية بالأراضي الفلسطينية، وتصعيد أعمال تدمير المنازل والبساتين الفلسطينية، والنمو الفيروسي للجدار الأمني الاستبدادي، والأكثر من ذلك الاحتفاظ بنظام حواجز التفتيش.
وتساءل المخرج، البالغ من العمر 48 عاماً، عن السبب في عدم ضم هذا المهرجان مخرجين عربا أو إسرائيليين معارضين، ويكتفي بعرض «أفلام بتمويل من الحكومة الإسرائيلية بميزانيات عالية».
وأضاف غريسون، الذي يعمل أستاذاً بجامعة يورك، «ليس هذا العام هو المناسب للاحتفال بالعلامة التجارية لإسرائيل، أو تجاهل وقائع المنطقة سينمائية أو غير سينمائية كالنعامة أو تجاهل حملة المقاطعة الاقتصادية الدولية لإسرائيل».
هذه الفقرة برمتها لمجرد مخرج سينمائي كندي مشهور قد يعرض مستقبله المهني للخطر بما نعرفه عن تسلط اليهود على الآلة الإعلامية في الغرب وخاصة كندا.
إنها الجرأة..... ولو لمرة واحدة...
جامعة الإمارات