خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، قدم رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور سلام فياض وثيقة مثيرة للجدل، اعتبرها برنامج حكومته للعاملين المقبلين. الوثيقة ؟ البرنامج، تضمنت للمرة الأولى منذ قيام السلطة جملة من المشروعات السيادية التي يُفترض أنها استكمال لما قامت به حكومته على طريق بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية.
الوثيقة التي حملت عنوان إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، يبدو أنها حظيت بموافقة الرئيس محمود عباس، لكنها في الوقت ذاته أثارت ردود فعل فلسطينية وإسرائيلية معترضة. حركة حماس، قالت إن فياض ليس مخولاً بالتعاطي مع موضوع الدولة الفلسطينية وأنه فاقد الشرعية بناءً للقانون الفلسطيني، واعتبرت أن ما تضمنته الوثيقة إنما هو عودة لتنفيذ فكرة الحكم الذاتي، أما الجبهة الشعبية فقد ارتأت أن موضوعاً كهذا من صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية، وليس من صلاحيات فياض وحكومته. إسرائيل على لسان وزير خارجيتها افيغدور ليبرمان قال إن حكومته سترد على وثيقة فياض، وحذَّر من إعلان قيام دولة فلسطينية.
على جانب آخر حظيت وثيقة فياض بدعم الاتحاد الأوروبي، حيث قال المنسق الأعلى للسياسة الخارجية خافيير سولانا الذي يزور المنطقة، إن الاتحاد سيدعم المشاريع التي تضمنتها الوثيقة البرنامج. سولانا كان خلال زيارته الماضية للمنطقة قد اقترح على مجلس الأمن الدولي أن يوافق على قيام دولة فلسطينية وأن يحدد جدولاً زمنياً للمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية. في حينه رأى بعض المراقبين أن تصريح سولانا يندرج في إطار الرسائل التحذيرية لإسرائيل من أن استمرار تمسكها بموقفها الرافض لتجميد الاستيطان، قد يؤدي إلى تعرضها لضغوط دولية.
وبرأينا أن الموقف الأوروبي كما عبر عنه سولانا في المرتين، لا يمكن أن يخرج عن سياق التنسيق مع الإدارة الأميركية، حيث أن الاتحاد اتخذ موقفاً يدعم مواقف إدارة أوباما، ولا يحاول التقدم عليها. الوثيقة تثير جملة من التساؤلات الكبيرة خصوصاً وأن فياض معروف بواقعيته، وبطبيعته العملية، وبعلاقته الوثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وإذا كانت الوثيقة برنامجاً للحكومة، وليست مقالاً أو محاضرة أو وجهة نظر أو قراءة في مستقبل الأحداث، فإن عملية الفحص لا تذهب إلى السلطة الفلسطينية التي لا تمتلك الحد الأدنى من القدرة على تنفيذ مشاريع كالتي تحدثت عنها الوثيقة، ولا هي قادرة على اتخاذ قرار متفرد بإعلان قيام الدولة الفلسطينية بدون ضمانات قوية.
الضمانات القوية غير مُنتظرة من العرب، وإنما من الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وبدون ذلك فليس هناك أي طرف إقليمي أو دولي يمكن أن يدخل في رأس فياض أو حتى الرئيس عباس فكرة إعلان قيام الدولة من طرف واحد، وإقامة مشاريع كبرى مثل إنشاء مطار فلسطين الدولي في منطقة الغور، واستعادة السيطرة على مطار قلنديا وتشغيله، وترميم وتشغيل مطار ياسر عرفات في غزة، ومواصلة بناء الميناء فيها.
ولو استثنينا هذا الاحتمال واقعياً، فالسلطة أيضاً غير قادرة على اللعب بموضوع كهذا، لمجرد توصيل رسالة قوية لإسرائيل التي تتحمل المسؤولية عن تعطيل إعادة إحياء المفاوضات بسبب موقفها المتعنت من الاستيطان.
وبالتالي هل يملك فياض معلومات، وضمانات من الولايات المتحدة بأن الدولة الفلسطينية قادمة لا محال خلال السنتين المقبلتين؟ في أغلب الظن أنه ما كان ليقدم على ما أقدم عليه لولا أنه تلقى مثل هذه الضمان، خاصةً وأن السلطة غير قادرة على تمويل هذه الرزمة من المشاريع الكبرى، مما يستدعي وجود ممولين أقوياء وهم في العادة لا يتحركون إلا بمشاركة أو بإيعاز من الولايات المتحدة.
وحتى لو توفر التمويل اللازم لهذه المشاريع فهل من سيضمن حمايتها؟ لقد دأبت إسرائيل منذ العام 2000، عام اندلاع انتفاضة الأقصى، على تدمير معظم المشاريع التي أقامتها السلطة بأموال المانحين. هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة قد حسمت أمرها من أجل حل كافة العقد التي تحول دون معاودة المفاوضات إلى مسارها، وهذه المرة حتى تصل إلى تحقيق اتفاق سلام مقبول من كافة الأطراف ومستقر؟ في الواقع.
وبالرغم من طول الفترة التي تقتضيها تحضير الميدان والأطراف لمفاوضات جادة، قصيرة، ومعروفة نتائجها، وبالرغم من العثرة الإسرائيلية الكبيرة، والانقسام الفلسطيني، إلا أن واشنطن تبدو واثقة من أنها ستنجح خلال فترة قريبة من تحقيق الاختراق، وإلا فإنها تجازف بدورها وهيبتها، وبمستقبل إدارة الرئيس باراك أوباما، الذي يبدو أنه حزم أمره باتجاه حل هذا الصراع التاريخي المزمن الذي تتأرجح عند أعتابه مصالح بلاده ومصالح المجتمع الدولي.
فياض لم يبين في وثيقته البرنامجية، كيف سيحقق الدولة المنشودة، فهل سيتم ذلك عبر مفاوضات واثق أنها ستكون أم أنه يملك خياراً بديلاً، ومدعوماً من الولايات المتحدة، باتجاه ما صرح به سولانا، بمعنى أن يعلن الفلسطينيون دولة على حدود الرابع من حزيران 1967، ويوافق مجلس الأمن الدولي على الاعتراف بها؟
وإذا كانت هذه هي التساؤلات الأساسية بشأن الوثيقة محل الجدل، فإن فياض لم يتطوع للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التي تطرحها الوثيقة. ما الذي يجعل فياض واثقاً من أنه سيتمكن من تنفيذ المشاريع الكبرى التي تتصل بقطاع غزة في ظل الانقسام الفلسطيني، وسيطرة حركة حماس على القطاع، فيما هي ترفض دوره وترفض وثيقته، وفيما يتعثر الحوار الفلسطيني؟ وبشكل عام هل يمكن للسلطة أن تتقدم نحو مشروع من هذا النوع، يلقى معارضة شديدة سواء في الضفة أو القطاع، من قبل فصائل رئيسية كحركة حماس والجبهة الشعبية، هذا قبل أن نحتسب مواقف لفصائل أخرى كالتي تأخذ من دمشق مقراً لها؟
الوثيقة تحدثت عن ضرورة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها الدستوري المقرر في السادس والعشرين من يناير المقبل، فهل ستقع مثل هذه الانتخابات، بدون اتفاق بين حركتي حماس وفتح لإنهاء الانقسام قبل فترة كافية، أم أنها ستجري في كل الأحوال؟ ما هي السيناريوهات المحتملة أمام الفلسطينيين فيما لو فشل الحوار في تحقيق اتفاق ينهي الانقسام، ويشكل أساساً لإجراء الانتخابات؟ يبدو أن فياض لا يملك إجابات واثقة على كل هذه الأسئلة الصعبة.
