من يقرأ التاريخ يجد أنه منذ أيام (هوميروس) في العصر اليوناني القديم إلى ذروة ازدهار أثينا أيام (أرسطو) لم يكن للمرأة ذكر في بناء النهضة. ولا يعني ذلك أنها لم تكن تشارك في صناعة الحياة، ولكنها غُيّبت بين صفحات التاريخ في محاولة ذكورية لفرض سيطرة الرجل حتى على ذاكرة البشرية.

لقد اعتبر الرجل المرأة منذ القدم ملكية خاصة، لا يحق لها أن تقوم بأي عمل إلا بإذنه، ولا يحق لأحد الاقتراب منها إلا بإذنه أيضاً لأنه مالكها قبل أن يكون زوجها أو أبوها أو أخوها. فلقد كان الأثينيون على سبيل المثال، يعزلون نساءهم في ركن منعزل من البيت يسمّى «الحريم جف ا؟َمكمم » وهو شبيه «بالحرملك» الذي يوجد في القصور العثمانية القديمة كقصر «توب كابي» في اسطنبول وغيره.

وكان الأثينيون يضعون كلاب حراسة عند الأبواب حتى لا تختلط المرأة بالرجال ويحظرون عليها التحدث إلى الغرباء. لم يكن للدين أي علاقة بذلك، بل كان الأثينيون يعتقدون بأن نسلهم مقدّس ولذلك كان يحرم على المرأة أن تتزوج رجلاً غريباً حتى لا تتلوث دماء اليونانيين الأصليين بالغرباء. أما الرجل فكان له الحق في حصوله على محظيات كيفما يشاء وإن جاءت إليه إحدى محظياته بطفل فسيظل أصله يوناني، وإن لم يكن خالصاً كما يعتقدون.

كانت المحظيات نساء غريبات عن أثينا، ولأنه كان مسموحا لهن بحضور التجمعات الفكرية والأدبية والفنية بخلاف الزوجات، تحولت هؤلاء إلى نساء مثقفات يتحدثن في الفلسفة ولهن آراء سياسية، بل وكان بعضهن يمارسن الرسم والنحت وغير ذلك من الفنون، مما أعطاهن مكانة عالية لدى رجال أثينا، واحترام واسع في المجتمع، بشرط أن يرتبطن برجل ما ولا يهِمْن على وجوههن في الشوارع كما تفعل بائعات الهوا.

أما الزوجة فتحولت إلى أحد الأشياء المتراكمة في المنزل، ليس لها وظيفة إلا الإنجاب، وفقد الرجال احترامهم لزوجاتهم اللائي لا يفهمن من الفلسفة والفن وشؤون الحياة المهمة آنذاك شيئاً، وأمموا ناحية المحظيات اللائي كانت عقولهن تبزّ الرجال في ذلك المجتمع الغريب. ومنذ ذلك الوقت أخذت أعراف المجتمع تسيطر على حياة المرأة وعلاقتها بالرجل، لتجسّدها في مفاهيم بعض الشعوب ككائن ضعيف، يرمز إلى الجنس والمكر، له منافع معيّنة أشبه بالعبد، لا يؤخذ منه ولا يرد، في مخالفة صريحة لتعاليم الأديان السماوية التي رفعتها إلى مكانة عالية.

ويؤسفني أن أضرب مثالاً من كتاب «إحياء علوم الدين» للعلامة الغزالي، على اختلاط بعض مفاهيمنا الصحراوية بتعاليم الدين، حيث يقول في (باب آداب المعاشرة)، الأدب الثاني: «حُسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحماً عليهن لقصور عقلهن» ثم يورد وهو يوجّه الرجل في كيفية التعامل معهن في الأدب الرابع: «ألا يتبسّط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها». ثم يذكر الغزالي ؟ رحمه الله ـ قولاً لعمر بن الخطاب مفاده: «خالفوا النساء فإن في خلافهنّ بركة» ولا أظن أنه كلام عمر! وقَس على ذلك الكثير من غريب الكلام وغياب المنطق.

عندما يستحضر أحدنا بعض المواقف من السنة النبوية الشريفة يجد البون شاسعا بينها وبين ما يقوله بعض علماء المسلمين الذين تأثروا بطبيعة الأرض أكثر من تأثرهم بطبيعة السماء. فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لجأ إلى خديجة ـ رضي الله عنها ـ عندما أتاه الوحي لأول مرة، وفي صلح الحديبية دخل على أم سلمة التي أشارت عليه بالصواب، أما عائشة فهي التي حملت السنة «النسائية» إلى جميع المسلمين.

قبل أيام ألقى الدكتور (زاكر عبد الكريم) محاضرة في دبي حضرها أكثر من عشرة آلاف إنسان، مسلم وغير مسلم، فقال للحضور: لقد قرأت الأناجيل الأربعة ولم أجد فيها اسم مريم عليها السلام، أما في قرآننا فهناك سورة كاملة اسمها مريم. أثبتوا لي أن في إنجيلكم ذكرا لمريم وسوف أتنصّر أمامكم الآن، فما كان من سبعة من الحضور إلا أن أسلموا، عندما رأوا تقدير الإسلام للمرأة وتكريمه لها، وأظنهم سيُبهرون عندما يعلمون أن هناك سورة باسم «النساء» تعد سورة مفصلية في أحكام الشريعة الإسلامية.

قد يغالي بعض من ينادي بمساواة المرأة بالرجل ويطالبها بتحمّل جميع أعباء الحياة ليصل المجتمع إلى مرحلة يجلس فيه الرجل في البيت وتذهب المرأة إلى العمل مما يخل بتوازنه، ولكن لا يمكننا أن نصرّ على حصر المرأة وتحجيم عقلها داخل أسوار البيت ثم نطالبها بتربية أجيال من العلماء والمبدعين ورجال الدولة.

لا يمكننا، والبعض منا ينزل النساء منزلة العبيد، أن نبني بيوتاً مستقرة، ونشكّل أسراً منتجة، واعية، مثقفة، أو حتى متدينة. ولا يمكننا أيضاً أن نستأمن نساءً لا يعرفن غير المطبخ، على أبنائنا الذين نعقد عليهم آمالاً كبيرة ونطمح أن نعدّهم الإعداد الأمثل للمستقبل.

لقد امتلأ تراثنا العربي بتشويه لصورة المرأة، ولا نريد لهذا التراث الذي كان أحد أسباب تأخّر أمّتنا، أن يشوّش علينا المرحلة المقبلة التي نراهن فيها على المرأة مثلما نراهن على الرجل.

لي زوجة تقرأ كثيراً، وجل قراءاتها لا تصب في مجالات قراءتي، إلا أن ذلك أفادني في توسيع مداركي كلّما سألتها عن شيء في الصحة أو الرياضة أو العلاقات الزوجية أو التربية الحديثة أو غير ذلك من علوم. كلّما سمعت زوجتي تتحدث عن موضوع ما تعلو مكانتها في قلبي، فهي ليست ماهرة في الطبخ والتربية فقط، ولكنها ذات معرفة وصاحبة رأي سديد، أنار لي طريقي منذ أن عرفتها وحتى اليوم.

ليس بالضرورة أن تكون للمرأة وظيفة، ولكن يجب أن تكون لها مهنة في الحياة. الفرق بينهما أن الأولى مرتبطة بمكان عمل ما وتهدف غالباً إلى الكسب المادي. أما الثانية فإنها تعني أن يكون للمرأة هواية أو حرفة أو اهتمام معيّن، تساهم من خلاله في تنمية المجتمع وتشارك في بناء مستقبل الأمّة.

إن الذين يفرضون طوقاً فكرياً على نسائهم لا يعلمون بأنهم يشدّون هذه الأمّة إلى الوراء، وأولئك الذين يحاولون الربط بين تثبيط المرأة وإنهاك عزيمتها وبين تعاليم ديننا الحنيف، عليهم أن يعلموا بأن الحرملك لا يوجد إلا في القلاع الأثرية، ولا يمكن لأمّتنا وهي تدلف إلى قرن جديد، أن تقدّم خطوة إلى المستقبل وتؤخّر أخرى إلى الماضي، فإما إلى الأمام بكلتا الرجلين، وإما أن نقعد مكاننا حتى يأتي الله بأمره.