شهد العالم ثماني سنوات من عمر إدارة بوش الابن، وما مثلته من نفوذ قوي للمحافظين الجدد فيها، وخاصة بعد أحداث 11/9 الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة والتي أدانتها الأسرة الدولية، إذ اختطت تلك الإدارة نهج السياسة الأحادية الجانب في عالم أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة وبانتهاء القطب المنافس الاتحاد السوفييتي السابق. والعالم بقدر ما لا يرغب بالقطبية الأحادية، فهو لا يريد العودة إلى التعددية القطبية أيضا، وإنما إلى قواعد السياسة المتعددة الأطراف في العلاقات الدولية.
ويشير المختصون في العلاقات الدولية إلى ان هناك مدرستين على هذا الصعيد إحداهما تؤمن بالحوار والشرعية الدولية (أي عبر المؤسسات الدولية) وأخرى تؤمن باستخدام القوة فقط في معالجة العلاقات بين الأمم، إلا ان التاريخ اثبت ان إدارة العلاقات الدولية يتطلب المزج بين المدرستين. وبمجيء إدارة أوباما الجديدة، تطلعت الأسرة الدولية لمنطلقات جديدة في العلاقات الدولية، إذ أكدت هذه الإدارة عدم اعتمادها بالمطلق على القوة العسكرية وتسعى لتقديم رؤية جديدة للعالم ولفتح صفحة جديدة مع الأسرة الدولية بما في ذلك العالم العربي والإسلامي.
ويأتي خطاب الرئيس باراك أوباما للعالم الإسلامي بمناسبة شهر رمضان في إطار جهود الإدارة الأميركية الجديدة تجاه العالم الإسلامي ،ومواصلة لخطاب أوباما الذي ألقاه في يونيو من هذا العام في القاهرة، المركز التاريخي للحضارة العربية والإسلامية والعلوم. ان هذا الخطاب الإعلامي لإدارة أوباما يمثل بداية جديدة للعلاقات بين الولايات المتحدة والمسلمين في جميع أنحاء العالم.
ويمثل الطرح المتميز الذي يعرضه الرئيس الأميركي باراك أوباما فرصة لإمكانية التفاعل بين العالم الإسلامي وقلبه العالم العربي وبين العالم الغربي. فقد حمل هذا الخطاب رؤية أميركية جديدة تجاه العالم الإسلامي بما في ذلك قضية فلسطين والحل على أساس الدولتين. لقد اكد الرئيس أوباما ان أميركا لن تقبل سياسة الاستيطان الإسرائيلية ورحب بمبادرة السلام التي تقدمت بها الدول العربية كخطوة أولى نحو السلام.
والعالم العربي والإسلامي يأمل ان تؤدي جهود أحياء عملية السلام إلى استعادة الثقة بدور الأسرة الدولية وبما يحقق السلام والرخاء والاستقرار الإقليمي القابل للبقاء. كما أشار الرئيس أوباما إلى ان بلاده لا تريد انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط مع الاحتفاظ بحق دول المنطقة بالحصول على الطاقة النووية لأغراض سلمية وفق معاهدة حظر الانتشار النووي.
ان مثل هذا الخطاب من شأنه إيجاد فهم مشترك والحث على التفاعل بين الثقافات والحضارات ويؤكد من جديد أهمية الالتزام المشترك بروح التسامح الديني لتحقيق الاستقرار والسلام في المعمورة، وبذلك فإن مثل هذا الخطاب يفتح صفحة جديدة في العلاقات الإنسانية لمختلف المعتقدات الدينية بما فيها العرب والمسلمون.
والعالم العربي والإسلامي بقدر ما ينظر بأمل إلى مثل هذا التوجه فإنه يتطلع إلى الترجمة العملية لذلك وبالتأكيد ان هذه الترجمة لا يصح ان ينتظر تحديدها من جانب واحد هو، الجانب الآخر، إنما يجب ان نصوغ طرحنا نحن العرب والمسلمين لهذا المفهوم الجديد لتحقيق الفهم المشترك.
كما ان الحاجة ملحة من قبل الأسرة الدولية وخاصة الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة ان تمارس ضغوطا حقيقية لتحقيق نتائج ملموسة في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب بما فيها تحقيق التنمية والنهضة العلمية وفي سبيل تحقيق السلام العادل خاصة ان الرأي العام العربي لديه مخاوف من تكرار تجارب الماضي، التي لم تمكن من إجراء التقدم المطلوب نحو تحقيق السلام.
حيث عانت منطقة الشرق الأوسط من إخفاقات عديدة، وتكرار مثل هذه الإخفاقات سيؤدي إلى المزيد من الإحباط الذي ستكون له تداعيات خطيرة والذي ينبغي ان لا نسمح بحدوثها، حتى لا يروج المتطرفون ان ما يقال إنما هو فقط كلمات. ولدحض ما يريد البعض ان يجر العالم إليه من التناحر في حين اننا نستطيع ان نتكامل فيما يتعلق بمبادئ الكرامة والتسامح وغيرها.
إن الإسلام دين تسامح وجاء (رحمة للعالمين) والمسلمون لا يقبلون ان تطلق عليهم صور نمطية، كما لا يقبل الآخرون إطلاق الصور النمطية عليهم. وان عدم التسامح بين المعتقدات الدينية من شانه ان يؤجج العداوة والكراهية، ويمكن أن يفضي إلى التطرف والعنف والحروب، ومن السهل ان تشن الحروب، لكن ليس من السهل ان تضع هذه الحروب أوزارها.
ان انفتاح الحضارات على بعضها من شأنه ان يؤسس للتفاهم المشترك والتسامح ومن شأنه ان يساعد المجتمعات بتنوع معتقداتها الدينية وعاداتها على العيش المشترك. ان منطقة الشرق الأوسط ذات المنطلق والجذور التاريخية للأديان السماوية لا يمكن ان تكون منطلقا لمحاربة الثقافات ومحاولة استمرار الصراع الحضاري الذي يسعى المجتمع الدولي إلى تجنبه بشتى السبل والى تبنى سياسة للحوار بين الحضارات.
وبذلك فإن من القضايا الملحة في عالمنا اليوم، تعزيز روح التسامح وذلك يتطلب إلى جانب الفهم المشترك، احترام المعتقدات الدينية بل والذهاب إلى ما هو ابعد من التسامح بقبول الآخر. ذلك القبول للآخر الذي من شأنه ان يكون فاتحة لعهد جديد من العلاقات الايجابية بين المعتقدات الدينية المختلفة مما سيعزز من إدراكنا، ان الغلو لا يمت للإيمان بالخالق بصلة على الإطلاق، بل ومخالف لكل ما انزل الله علينا من تعاليم سماوية.
كاتب يمني
