بعض الناس مهووسون بفكرة اختصاصنا ؟ كعرب ومسلمين ـ بكل شيء، وامتلاكنا كل شيء، وسبقنا غيرنا في جميع الميادين والمضامير، سواء في الاختراعات والمنجزات العلمية، أو في المواد الكلامية من حكم وأمثال وأقوال مأثورة وغيرها..
لذلك لا يكاد أحدنا يفتح فمه معربًا عن إعجابه بجهاز أو آلة ما، أو بقول لأحد الحكماء أو الفلاسفة ـ من غير العرب المسلمين ـ حتى نجد أحدهم قد سلّ سيف دفاعه موضحًا أن كل هذا موجود عندنا، وأننا لسنا في حاجة لأن نستورد من الخارج ما نمتلكه أساسًا، ولا حتى من باب توسيع المعارف والمدارك، كأننا يجب أن نتوقف عند حد الاكتفاء الذاتي، بعد أن كنا مصدرين للعلوم والمعارف والحكم، مع أن العلم لا يعرف ديانة، ولا مذهبًا، ولا جنسية، ولا عرقًا، والحكمة ضالّة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
ترعبني جرأة هذه الفئة من الناس في زعم امتلاكنا لكل شيء، وقد يكون الأمر مختلفًا ما بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، إذ أن ادعاء السبق في الأفكار والنظريات أسهل منه في المخترعات والآلات، وإن كنا لا نعدم من يحاول أن يجد في بعض الأجهزة والآلات التي تصلنا من خارج الحدود ؟كما في كل فكر جديد يفد إلينا من الغرب ـ أصولا وجذورًا عربية، وربما قرآنية.
ويجهد في محاولة دعم زعمه هذا بالربط بين هذا الجديد الوافد، الذي جاء حصيلة تجارب واختبارات واجتهادات ـ قد تكون استمرت على مدى سنوات من البحث والمعاينة والمراجعة وإعادة البحث وإلخ ـ ببعض أقوال عامة، وأحيانًا بآيات قرآنية كريمة، تحمل الفكرة الجوهرية، أو تشترك مع تلك الفكرة الوافدة في عنصر ما، حتى يبرروا ربطهم بينهما، ويتخذوا من ذلك العنصر ذريعة لتعزيز الوهم القائم في نفوسهم، ولينقلوه إلى غيرهم.
ليس المهم من امتلك الفكرة الجوهرية أولا، وليس المهم من الذي بدأ في حفر البئر إن لم يكمل عمله إلى النهاية، فالناس لن تشرب وتروي ظمأها بحفرة تقترب من السطح، وبينها وبين الماء الذي فيه حياتها عشرات الأمتار من البعد والعمق، إنما المهم هو الذي يبني على الفكرة الجوهرية، والذي يقوم بحفر البئر بنفسه إلى النهاية، الذي يقدم للبشرية نفعًا حاصلا ومتحققًا، وليس من يكتفي بالمفاخرة بأنه كان الأسبق إلى هذه الفكرة أو تلك. وهذا ما يحدث عادة، إذ يفكر هؤلاء في أننا أصحاب السبق في كل شيء،.. ولو افترضنا أننا كذلك فعلا، فما الذي فعلناه كي نحافظ على هذا السبق، وكي نحافظ على امتلاك حقوق هذه الفكرة، أو تلك النظرية، أو المعلومة؟
لا أزعم أننا لم نحقق شيئًا، لكن المقارنة بين إنجازاتنا في الميادين النظرية والتطبيقية وإنجازات غيرنا لا تأتي لصالحنا أبدًا لا من حيث الكم، ولا من حيث الكيف. ما يحدث هناك يأتي نتيجة تجارب تراكمية تمت في مجالاتها المختلفة، أما ما يحدث عندنا فمعظمه يأتي نتيجة ذهنيات عبقرية فردية استطاعت أن تصل إلى شيء بمعزل عن السياق الطبيعي الذي يفترض أن تنتج فيه. لذلك نجد هناك أجيالا من النظريات يأتي بعضها ليبني على ما قبله، أو لينسخه، أو لينقضه ويقدم غيره.
البناء عندهم واضح، لأن الأساس موجود وقوي، أما عندنا فالأمر مختلف جدًا، وليس من السهل علينا الوصول إلى ما وصلوا إليه إلا بإعادة بناء شاملة، لكل شيء، بما في ذلك الإنسان نفسه.
اتكاء هؤلاء الناس على فكرة اختصاصنا من قِبَل الله عز وجل بكل الخير، وأن أولئك العلماء العاملين بجد ومثابرة في الجانب الآخر من العالم إنما يعملون كي يهيئوا لنا الطريق كما يزعم البعض، يؤخر مسيرتنا التي ربما لم تبدأ بعد نحو الدور الذي يريدون لنا أن نؤديه في مسرح هذا الكون، وهو مطلب جميل، أن نكون قادة على المستوى العلمي في الميادين النظرية والتطبيقية، مصدّرين وليس مستوردين، نعطي أكثر مما نأخذ، لكن هذه النظرة الخارجة عن سياق العصر تجعل مثل هذا الكلام مجرد أوهام ومزاعم لا تقترب من الواقع ولا تستدل له على طريق.
لا يشك أحد في أننا كنا في فترة من فترات التاريخ المرجعَ في العلوم المختلفة، وأن كتبنا كانت تدرس في الجامعات الأوروبية، ككتب ابن سينا والرازي وجابر بن حيان على سبيل المثال، لكن هل يعني ذلك أن نتوقف عند ما كنا عليه ذات يوم، ونتمسك بذلك ونردده وكأنه واقعنا الآن؟ هل يبرر تفوقنا في الماضي خمولنا في الحاضر، وغموض حالنا في المستقبل؟ وهل نستسلم لفكرة أننا كنا أصحاب فكر وعلم وأدب، وعليه فإن كل ما قد يصل إليه عقل بشري الآن فلا بد أن يكون من وحي ما كنا قد قدمناه في القرن الثالث أو الخامس الهجريين؟
ثم ألا يشعر هؤلاء المفاخرون بالخزي وهم يرددون (ما كنا عليه) قبل عدة قرون، وهم يرون أننا لا نقدم شيئا يُذكر حاليًا على الرغم من أن العالم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه يغرقنا في الكثير من الأفكار والنظريات والمخترعات يوميًا، أي أن عجلة العلم والابتكار والتطوير لم تتوقف في مواقع أخرى من العالم، إلا عندنا.. ومع ذلك، لا يمثل هذا مصدر خزي لنا، بل يصر «بعض الناس» على أن ينظروا إليه على أنه مصدر فخر يحق لهم التباهي به!
إذا كانت الأسس موجودة ولكنها قطع متناثرة، فلا فائدة منها، بل يجب أن تُشَدّ وتنتظم بجوار بعضها بحيث تأخذ كل قطعة أو لَبِنَة منها مكانها الصحيح في قاعدة البناء، وأهم ما نحتاج إليه هو الموارد المالية والبشرية، وكلاهما موجود، لكنه في حاجة إلى أن نحسن استخدامه، وأن نخطط لذلك جيدًا من قِبَل متخصصين ملمّين بالكيفيات التي ستحقق هذا الهدف، وليس من قِبَل متحمسين مأخوذين بفكرة أننا الأحق والأفضل والأسبق، وهو كله كلام لا يتجاوز ظاهر اللسان ليحط على طرف الآذان، قد يُسمع وقد لا يُسمع، لكنه في النهاية ليس أكثر من «كلام».
نحتاج فعلا لا قولا، أما الأوهام والكلام الأجوف فلسنا في حاجة إليه، وكل ما جاء بصيغتي التفاخر بالماضي أو التباكي عليه فهو من باب الوهم الذي يجدر بنا التخلص منه.
جامعة الإمارات