الرئيس الأميركي باراك أوباما يبحث عن نقاط التقاء مع العالم الإسلامي، وليس من الغريب أن يجد في تركيا، الدولة الأكثر قرباً، والأكثر تفهماً، للتحالف معها، على صُعد عديدة. صُعد تتفق مع أجندته السياسية في رسم خارطة جيو ـ سياسية تشكل العلاقات مع العالم الإسلامي معالم رئيسية فيها، وذلك لاحتواء أزمات فشلت الإدارات الأميركية السابقة، وخاصة الأخيرة، في احتوائها.

فتركيا، التي تنتهج سياسة اعتدال، في ظل حكم حزب التنمية والعدالة الإسلامي، هي إحدى الدول الإسلامية القلائل، التي لم تنشأ في رحمها حركات جهادية إسلامية، تناصب الولايات المتحدة، وتناصب الغرب، العداء، كما هو الحال في دول عربية وإسلامية عديدة.

تركيا تبدو، للولايات المتحدة، أبرز حليف إستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وربما يراها الرئيس الأميركي الجديد، أكثر أهمية، من أعضاء كثيرين في حلف الناتو. فمع أن انتهاء الحرب الباردة قد أفقدها ميزة دولة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي، مع ما كان موقع كهذا يوفر من امتيازات لمن يشغله، إلا أن موقعها الإستراتيجي المتميز، وتاريخها الهام في المنطقة.

واستقرارها السياسي والاقتصادي، وقوتها العسكرية، تعيد لها أهميتها في السياسة العالمية، وتجعلها قوة قادرة على أن تلعب أكثر من دور هام، تحتاجه الولايات المتحدة، في الوقت الحاضر، سواء في باكستان أو في أفغانستان، أو في جمهوريات آسيا الوسطى، أو في العراق. ومن هذا المنطلق، لم ير الرئيس الأميركي مناصاً من خطب ودها، حين وضع ثقله في كفتها، لدعم انتمائها إلى الاتحاد الأوربي، على الرغم من المعارضة الصريحة التي تبديها بعض دول الاتحاد وفي مقدمتها فرنسا.

تركيا، وقفت متفرجة على ما يحدث في الشرق الأوسط، غير آبهة بما يجري في ساحاته، لما يزيد على الثمانين عاماً، بدأت تراجع نفسها مؤخراً في مؤشر على إنهاء غربتها عن المنطقة. فمنذ توجه مؤسس الدولة التركية الحديثة، مصطفى كمال، نحو العلمانية، في عشرينيات القرن المنصرم، في قطيعة تامة مع التاريخ العثماني، توجهت تركيا الحديثة، نحو الغرب، لبناء مجتمعها على الخطى التي سلكتها المجتمعات الغربية، متجاهلة الفوارق في الأسس الثقافية، من جهة، ومتجاهلة كذلك أهمية الدور الذي تلعبه الجغرافيا في صناعة التاريخ، من جهة أخرى.

تركيا دولة شرق أوسطية، تطل إطلالة محدودة على التخوم الأوربية، انجرفت طيلة السنين الطويلة الماضية تسعى لنزع جلدها الشرق أوسطي، وتصر على ارتداء البزة الأوروبية. ووقفت تنتظر، من غير ملل، قاطرة السوق الأوروبية، ثم قاطرة الاتحاد الأوروبي، دون أن تجد فرصة للصعود إلى إحدى عرباتها التي صعدت إليها دول حديثة العهد بالعلاقة مع الغرب.

وهي دول أوروبا الشرقية. وقد وجدت في وضعها الحالي، وهي بقيادة حزب التنمية والعدالة، بأنها أصبحت أكثر بعداً، من ذي قبل، من أوروبا، وأكثر قرباً من ذي قبل، من واقعها الجغرافي الحقيقي، وهو الانتماء إلى الشرق الأوسط، والانشغال بهمومه، والإسهام في صيرورته، رغم إصرارها بالحصول على عضوية الاتحاد الأوربي.

تركيا دخلت في أتون الشرق الأوسط، من جديد، مستفيدة من العوامل التالية: 1 ـ علاقاتها التاريخية مع دول المنطقة.

2. علاقاتها الوثيقة مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بحكم كونها عضواً في حلف الأطلسي، مما يؤهلها للدخول كوسيط تستأنس الولايات المتحدة بالاستماع إليه والأخذ بمشورته.

3. علاقاتها الجيدة مع إسرائيل، مما يجعلها مقبولة لديها، كوسيط للقيام بجهد دبلوماسي مع الأطراف العربية.

4. غياب أية حساسية لدول المنطقة في التعامل معها، فمنذ سقوط الدولة العثمانية وتقسيم جسدها لم تنشأ خلافات معلنة مع الدول المجاورة.

والحقيقة أن التحرك التركي الذي ابتدأ في نهاية عصر الرئيس الأميركي جورج بوش والذي وجدت فيه إدارة الرئيس الجديد أوباما مخرجاً لمواجهة بعض ما يشغلها في الشرق الأوسط، قد لقي ترحيباً كبيراً لدى العديد من دول المنطقة، بل، في حقيقة الأمر، جاء تلبية لدعوات من قبل دول عربية مهمة وجدت نفسها، بقواها الذاتية، غير قادرة على الاستمرار في الحفاظ على التوازنات الأمنية التقليدية في المنطقة.

فالدخول التركي يرتبط بحسابات تتعلق بموازنة الدور الإيراني المتعاظم في المنطقة. هكذا أصبحت تركيا وسيطاً في المفاوضات، غير المباشرة، بين سوريا وإسرائيل، وهكذا اقتربت إلى العالم العربي في موقفها المتميز الذي حظي بالإعجاب في إدانة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ودعوتها لوقفه وفك الحصار عن القطاع وفتح جميع المعابر إليه.

كما أن تحركها لم يقتصر على الاهتمام بالقضية الرئيسية في الشرق الأوسط، وهي القضية الفلسطينية، وإنما هنالك تغير إيجابي ملحوظ في تعاملها مع إقليم كردستان العراقي، وتغير في موقفها الداخلي من الأكراد رغم رفضها التام التفاهم مع حزب العمال الكردستاني التركي. أما بالنسبة إلى العراق فإن تركيا هي إحدى الدول القلائل من دول الجوار العراقي التي لم توجه إليها تهمة التدخل بشأنه، بل على العكس من ذلك، استقبلت بغداد، أكثر من مرة، مسؤولين أتراكاً كباراً قاموا بعقد اتفاقيات مع الحكومة العراقية لإعادة إعمار العراق.

والحقيقة أن التحرك التركي باتجاه العراق لا يخلو من رغبة في أن يكون لها دور في رسم مسارات الأحداث فيه للاطمئنان على أمنها، من جهة، وتلبية لرغبة الولايات المتحدة، من جهة أخرى.

فقد حرص الرئيس الأميركي الجديد، ومنذ الأيام الأولى لدخوله البيت الأبيض، على حث أنقرة على تنمية علاقاتها مع بغداد في حديثه الهاتفي مع كل من الرئيس التركي غول ورئيس الوزراء أردوغان في السابع عشر من فبراير الماضي. ولا يغيب عن الراصد ملاحظة التنافس الذي بدأ يظهر إلى العلن بين طهران وأنقرة في الساحة العراقية، إذ لم يمض سوى يوم أو اثنين على مجيء وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي إلى العاصمة العراقية للتوسط في الخلاف الخطير الذي اندلع مؤخراً بين العراق وسوريا على خلفية اتهام العراق للأخيرة باحتضانها للمجموعة التي خططت لعملية الأربعاء الدامي التي هزت أركان الدولة العراقية، حتى وصل وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى بغداد عارضاً وساطة تركية في المجال نفسه.

الدور التركي في العراق مرشح للتوسع، والتنافس بين طهران وأنقرة للحصول على الحظوة لدى بغداد، سوف يتصاعد هو الآخر، ولكنه لن يصل إلى الحد الذي توظف فيه الأدوات التي وظفت حين حكم الصفويون إيران، وحين حكم العثمانيون تركيا.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae