انتكست العلاقات السورية العراقية في ذروة نجاحها، ووجه كل من الطرفين للطرف الآخر سهام النقد والاتهام، بعد يوم واحد من الزيارة (الناجحة) لرئيس وزراء العراق إلى دمشق يوم 18 أغسطس الماضي، وبعد أن وقع الطرفان اتفاقات ثنائية في مجالات الاقتصاد والتجارة والمياه والمرور و(الترانزيت) ونقل النفط وغيرها، وبعد أن اتفقا على تشكيل مجلس أعلى للأمن ينسق بين الجهات الأمنية في البلدين ويلزم كل طرف بأن يساهم في الحفاظ على أمن الآخر، وعبر الطرفان بنهاية الزيارة عن ارتياحهما لهذا التطور الإيجابي وسبل التعاون المختلفة.

وبدا للجميع أن العلاقات السورية العراقية تسير في طريقها الطبيعي، كعلاقات مميزة بين بلدين شقيقين وجارين، لكل منهما مصلحة في تقدمها ونجاحها، وتفاءل الناس خيراً في البلدين بعد قطيعة كاملة أو نسبية بينهما ومسيرة متعثرة دامت خمسة عقود، وفوتت على كل منهما أرباحاً سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها كان يمكن أن تتحقق لو كانت هذه العلاقات طبيعية، بل سببت خسائر كبيرة جداً كان بالإمكان ألا تحصل.

بعد يوم واحد من زيارة رئيس الوزراء العراقي لسوريا حصلت عملية إرهابية في بغداد زاد عدد ضحاياها (القتلى والجرحى) على الألف، وبعد ساعات من التفجير وجهت الحكومة العراقية مباشرة ودون تردد أو تحفظ التهمة للحكومة السورية بأنها وراء العملية الإرهابية، ثم اتبعت ذلك بسحب سفيرها من دمشق، وصرح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بأن حكومته ستطلب من مجلس الأمن تشكيل محكمة تتولى التحقيق (ليضع القضية بين يدي المنظمات الدولية) وردت سوريا بتكذيب التهمة، وطالبت بالأدلة، وسحبت سفيرها من بغداد.

وهكذا خلال ثلاثة أيام تحولت العلاقات الإيجابية إلى اتهامات متبادلة، والارتياح الذي عبرت عنه الحكومتان إلى غضب متبادل، وعلاقات الأخوة إلى علاقات أخوة أعداء، وانهار السقف على رؤوس الشعبين العراقي والسوري، وعلى رأس التعاون العربي، بسرعة لا مثيل لها في علاقات الدول. فلم يسبق الأزمة توتر أو خلافات أو استفزاز أو مؤشرات (تآمر)، مما يثير التساؤل وربما الشك حول هذا التصعيد، والتسرع في الاتهام، والتباطؤ في المعالجة، والإصرار على نقل القضية إلى المنظمات الدولية و(المحاكم الدولية).

تدخل الإيرانيون وسطاء فأرسلوا وزير خارجيتهم إلى بغداد ودمشق، وفعل الأتراك مثلهم، لكن كلاً من الوسيطين عاد واقعياً بخفي حنين، حتى أن وساطتهما لم تستطع وقف التصعيد أو التريث في إحالة الموضوع للمنظمات الدولية، بعد أن كان الطرفان يعتقدان أنه بما لكل منهما من دالة ونفوذ، قادران على إطفاء النيران، وردم الهوة، وإيجاد مخرج يوصل للتسوية.

وهذا أيضاً يدعو للتساؤل، فكل من النفوذ الإيراني والتركي في العراق قوي ومؤثر وقادر على حل أكبر المشكلات، فكيف يعجز عن تقريب وجهات نظر بلدين شقيقين كانا على وشك بناء علاقات مميزة؟ خاصة وأن الحكومة العراقية ورئيسها بالذات بحاجة لإرضاء السياسة الإيرانية ذات النفوذ في جنوب العراق، والسياسة التركية ذات النفوذ في شماله، والانتخابات العراقية أصبحت على الأبواب.

ما يدعو للتساؤل أيضاً أن سوريا حرصت خلال السنوات الثلاث الماضية على ضبط حدودها مع العراق، واعتقال عديد من المسلحين الذين حاولوا اختراق الحدود، وحفرت الخنادق، ونشرت آلاف الجنود لحراستها، ويعرف العراقيون والأميركيون ذلك جيداً، فهل غيرت سوريا سياستها بين يوم وليلة؟

المعروف والمعلن أن حزب البعث العراقي له تنظيم في سوريا (يقيم في سوريا أكثر من مليون عراقي) ولكن من المعروف أيضاً أن أدبيات هذا الحزب كانت دائماً تشجب عمليات منظمة القاعدة الإرهابية، وتؤيد في الوقت نفسه علناً المقاومة العراقية المسلحة التي تعمل ضد الاحتلال الأميركي، وتنأى بنفسها عن إيذاء مدنيين، وطوال السنوات الست الماضية، لم يشارك تنظيم حزب البعث بأي عملية إرهابية أو يعلن تأييده لها، فهل غير تنظيم البعث سياسته؟

وبدورها كانت السياسة السورية تشجب دائماً العمليات الإرهابية التي تجري في العراق وتدينها وطبعاً تتبرأ منها، فهل غيرت هي أيضاً استراتيجيتها وموقفها تجاه العراق؟ إن كل هذا يدعو للتساؤل أيضاً.

بغض النظر عما يقوله كل من الطرفين، وعن مبررات موقفهما وعن الشكوك التي تحيط بالعملية برمتها، وبالأهداف الحقيقية التي وراءها، فقد أدت هذه العملية الإرهابية بالتأكيد إلى قطع الطريق على تطور العلاقات بين سوريا والعراق.

فتبخرت أحلام التنسيق والتعاون والعلاقات الطيبة، وستستمر الخسائر التي مني بها خلال العقود الخمسة الماضية، بسبب القطيعة بينهما التي استمرت منذ أواخر ستينات القرن الماضي حتى نهاية القرن، فتسببت بعدم اتفاق البلدين على تقاسم مياه دجلة والفرات مع تركيا، مما أتاح لهذه أن تبني سدوداً على النهرين قادرة على تجفيف مياههما وتدمير الزراعة في سوريا والعراق وتصحرهما، وبسببها أيضاً مدّ العراق أنابيب نقل نفطه عبر تركيا وليس عبر سوريا، ولم يقم طوال هذه المدة تعاون اقتصادي جدي أو تنسيق أو تكامل ولا حتى علاقات تجارية بينهما.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org