تجرى في إيران حاليا محاكمات بعض قادة التيار الإصلاحي على خلفية أحداث ما بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، حيث شككت قطاعات شعبية وقيادات التيار الإصلاحي في نتيجة الانتخابات التي انتهت بفوز الرئيس احمدي نجاد.
ويبدو من سياق المحاكمات، وما يتم تسريبه لوسائل الإعلام من اعترافات للمتهمين المنتمين إلى التيار الإصلاحي، أن التيار المحافظ الذي يسيطر على السلطة القضائية يريد أن تنتهي المحاكمات بتحقيقه نصرا ساحقا على التيار الإصلاحي يخرج الأخير من العملية السياسية نهائيا، ومن دون النظر في تداعيات ذلك وتأثيراته على مستقبل السياسية الإيرانية برمتها.
فقد كان المتوقع بعدما برز تنوع القوى التي شاركت في الاحتجاجات، أن الدولة الإيرانية سوف تسعى إلى احتوائها وليس إلى قمعها وإغلاق أبواب الأمل في وجهها، لكن جاءت المحاكمات التي برزت فيها آراء تطالب بحظر تيارات سياسية منتمية للنظام، بحجة أنها تنفذ أجندة خارجية مثل كوادر إعادة البناء وحزب المشاركة وغيرها، لتؤكد أن اليمين المحافظ الإيراني الذي يسيطر حاليا على السياسة الإيرانية لا يريد أن تشاركه أو تنافسه قوة سياسية أخرى ؟.
والمؤسف أن ذلك يتم عبر أسلوب صدامي يبدو انه متعمد لأنه يوجه رسالة للقوى الإيرانية غير المنتمية للتيار المحافظ ن بان ما حدث لا يمكن أن يتكرر مرة أخرى. وكل ذلك يسير بإيران تجاه إعادة إنتاج الاستقطاب السياسي الحاد بين تيارات النظام بدلا من أن يسير بها تجاه المصالحة فيما بينهما بحيث يكون هناك تنوع تستفيد منه السياسة الإيرانية في المرحلة القادمة كما استفادت منه من قبل في العديد من الملفات والقضايا، خاصة في علاقاتها الخارجية.
وما تبدو علية المحاكمات حاليا أنها تسعى إلى تعميق الفجوة بين التيارين الأساسيين داخل الحكم الإيراني وهما المحافظين والإصلاحيين، وان ضرب تحت الحزام بدا بالفعل في إيران من اجل إقصاء التيار الاصلاحي تماما عن العملية السياسية الإيرانية، فمن جهة تم اتهام الرئيس السابق محمد خاتمي بأنه التقى بالمليونير المجرى سابقا جورج سوروس في أطار خطة لقلب نظام الحكم، كما تم اتهام احد أبناء الرئيس الأسبق على اكبر هاشمي رفسنجاني بالفساد.
وتجرى محاكمات علنية تنقل عبر وسائل الإعلام يعترف فيها قادة إصلاحيين كبار بأخطائهم ويعلنون فيها عن انسحابهم من الأطر السياسية للتيار الإصلاحي، وكل ذلك يشوه بالطبع هذا التيار لدى الرأي العام ن لكنه في نفس الوقت يحرم الشباب الإيراني من الأطر السياسية التي تعبر عنهم الأمر الذي قد يؤدى إلى بحثهم عن وسائل أخرى للتعبير عن أفكارهم السياسية وهذه الوسائل لن تخرج عن الاتجاه إلى العنف أو العمل السري الأمر الذي على المدى البعيد يؤثر سلبا على التجربة السياسية الإيرانية الرائدة.
وبالطبع فان النخبة الإيرانية المنتمية إلى اليمين بكل مؤسساتها مثل الحرس الثوري والباسدران والمؤسسة الدينية، لجاءت إلى هذا الأسلوب لمواجهة ما حدث في أعقاب الانتخابات لأنها تخشى على الثورة الإيرانية وعلى الدولة الإسلامية التي تأسست بموجبها، وهى ترى أنها مستهدفة من الخارج، وما حدث تم استثماره خارجيا بصورة مبالغ فيها من اجل إسقاط التجربة الإيرانية.
ولكن ما يخفى عن هذه النخبة هو أنها بهذه المواجهة القمعية التي تأتى على حساب التنوع المحكوم في إيران، تعطى الفرصة لهذا الخارج لكي يجد ظروفا دائمة تسمح له بالتدخل المستمر في الشأن الإيراني عبر التقارير الحقوقية التي تصدر تندد بما يحدث، وعن طريق ذلك أيضا ستسعى الدول الغربية لان تحاصر إيران وستجد التأييد الشعبي لذلك داخليا لأنها ستقول أنها دولة تقمع الحركات السياسية بها.
وهو ما يعنى أن أسلوب المواجهة الذي يتبناه اليمين المحافظ الإيراني يمكن أن يأتي بنتائج معاكسة تماما لتلك التي يهدف إليها، وان كانت هناك احتمالات لان يكون هذا اليمين يريد أن ينتهج سياسة انعزالية تنقطع عن العالم ووجد الفرصة في أحداث ما بعد الانتخابات واستثمر المحاكمات من اجل البدء في تطبيق هذه السياسة معتمدا على أن «الخارج» هو الذي سيبدأ في تطبيق السياسة كرد فعل على تطورات المحاكمات التي تجرى حاليا في إيران.
والحاصل أن الذي يجرى المحاكمات الإيرانية يتعامل مع الأحداث بالتركيز على أنها تعبر عن صراع داخلي من دون أن يضع في اعتباره أنها يمكن أن تؤثر على الصورة الذهنية المترسبة عن إيران لدى قطاعات شعبية متعددة بعضها متعاطف مع التجربة. وكل ذلك يعنى أن المحاكمات التي تجرى في إيران حاليا سواء شاء النظام هناك أم أبى ستكون لها تأثيرات متعددة على العديد من الملفات الخارجية الإيرانية، حتى ولو كان النظام يريد أن يتبع سياسة انعزالية في المرحلة المقبلة.
ويبدو من تطورات الأحداث والمحاكمات أن التيار اليميني، يتعامل مع الحدث باعتبار انه فرصه له لكي ينهى صراعه مع التيار الإصلاحي بهزيمة الأخير هزيمة ساحقة ماحقة، وهو الأمر الذي يفسره تلاحق المحاكمات وما يتسرب عنها، والملفات التي تفتح فيها. وكل ذلك يتجاهل أمرا مهما قد يكون له تأثير على مستقبل إيران وهو أن التيار الإصلاحي حقيقة واقعة في الشارع الإيراني، وانه حتى ولو تم حظر أطره السياسية فان ذلك لا يلغى وجوده، وإنما يمكن أن يفتح الباب أمام صور أخرى من الصراع.
كاتب مصري
