دخلت بالصدفة على موقع الاتحاد الأوروبي على الانترنت بحثا عن معلومة جغرافية. وفوجئت بأن الموقع يفتح أولا على فهرس مختصر لـ 23 لغة مختلفة تختار منها ما يناسبك. بالطبع 23 لغة تمثل 27 دولة التي تشكل الاتحاد الأوروبي! رقم مهيب! صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية تتكون من 52 ولاية، وكلهم أميركيون من خليط من شعوب آسيوية وافريقية وأوروبية ولكنهم يتحدثون بلغة واحدة.
غير أنه أمام ظاهرة الاتحاد الأوروبي، و27 دولة و23 لغة ومئات المعتقدات والديانات والفلسفات والتواريخ واختلاف العادات والتقاليد والتضاريس والأمزجة، فنحن مدعوون أن نجلس نتأمل قليلا مجموعة البشر هذه التي اختلفت في كل شيء واتفقت على أن تصبح أقوى اتحاد على مستوى أوروبا وآسيا وافريقيا وعلى كافة الأصعدة. ربما القليل منا يتابع تفاصيل أخبار الاتحاد الأوروبي، ولذا عندما نسمع بجملة (الاتحاد الأوروبي) نتصور أنه يتكون من خمس أو سبع دول أوروبية على الأكثر. والكثيرون يجهلون عدد سكان الاتحاد الأوروبي الذي يناهز اليوم النصف مليار نسمة!.
إن الاتحاد الأوروبي شكل صدمة سياسية واجتماعية واقتصادية للعالم برمته. فلم يكن أحد يتخيل أن يتعايش هذا الكم الهائل من الشعوب المتنوعة والمتفرقة والمتحاربة قبل سنوات في خيمة واحدة وفي فترة زمنية قياسية. ولم نسمع منذ توقيع معاهدة الاتحاد الأوروبي في ماستريخت في 1/11/1993 (أي أن عمره لا يتجاوز 16 عاما فقط) أن اختلفت دولتان عضوان على أصغر الأمور. إن الدخول في هذا الاتحاد يعني التخلي فورا عن مصالح الفرد لمصلحة الجماعة، والنزاعات التي قد تنشب تحل دون ضجة ودون قرار فردي.
لقد أيقن هؤلاء بعد عدة تجارب قاسية، بأن الزمن غادر كالبحر، وأن الجماعة تغلب الكثرة، وأن العالم يشبه أعماق المحيطات، حيث يأكل السمك الكبير السمك الصغير. وأذكر أن أحد اليونانيين المزارعين الفقراء اشتكى لي حاله عندما قرر الاتحاد الأوروبي أن تستغني اليونان عن زراعة الزيتون والعنب. السبب؟ أن الاتحاد الأوروبي لأهداف اقتصادية حدد لكل دولة عضو نسبة معينة من المنتجات الزراعية المحددة بغرض الحفاظ على نوع من التوازن في إنتاج المحاصيل الزراعية.
والكل يعرف أن اليونان (التي دخلت في عضوية الاتحاد الأوروبي عام 1981) مشهورة بهذين المنتجين: الزيتون والعنب. وكانت شكوى هذا المزارع وقتها تتلخص في أنه عليه أن يبيد كل مزارعه ليغرس بديلا عنها نوعا آخر من المحاصيل. ولكنه ابتسم في الآخر قائلا بما معناه: (تهون محاصيلي وأطفالي لخاطر عيون الاتحاد الأوروبي). لم أصدقه في البداية، وكنت متشائما من مستقبل الاتحاد الأوروبي لتنوعه واختلافه، ولكني اليوم أصبحت أحسد هذا المزارع البسيط على تضحيته.
تلقيت قبل يومين اتصالا هاتفيا من أحد أصدقائي الأوروبيين القدامى أثناء دراستي في فرنسا، يخبرني بأنه قد عاد من تجواله بين 10 دول أوروبية خلال إجازة الصيف متنقلا من بريطانيا إلى ليتوانيا إلى جمهورية التشيك إلى سلوفاكيا وبلجيكا وهولندا والسويد والدانمارك بسيارته. فاستفززته متسائلا إن كان قد قضى سنتين أو ثلاثة للحصول على تأشيرات الزيارة لكل هذه الدول؟ فرد علي ضاحكا، بأن التأشيرات تمنح فقط لحملة جوازات السفر، بينما هو لم يحمل معه سوى بطاقة الهوية، بل أن رخصة القيادة كانت كافية أحيانا.
بالطبع هؤلاء بشر مثلنا، ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ولكنهم يختلفون عنا في ثلاثة أمور رئيسية: الأمر الأول: شعارهم الذي يدرس لأطفالهم يدعو إلى التضحية بالمصلحة الخاصة لمصلحة الجماعة. الأمر الثاني: نزاعاتهم تحل فيما بين زعمائهم بروح رياضية دون أن يدفع المواطن ثمنها. الأمر الثالث: يستشار المواطن في قرارات زعيمه قبل التصديق عليها.
لم يعد لإنسان دول الاتحاد الأوروبي قضية تذكر أو هم يخص الحدود والأراضي والجغرافيا والسياسة والمعتقدات واللغات. ولم يعد يعرف ساركوزي أين تنتهي حدود دولته وتبدأ حدود دولة ميركل، ولا يشعر الأسباني أنه دخل حدود بولندا إلا عندما يدخل أحد المطاعم ليطلب سلطة يونانية فيرد عليه الجرسون: «ما رأيك بسلطة بولندية؟». والأغرب من ذلك، فإن الغرباء والأجانب يتمتعون بنفس الامتيازات: فمثلا، حصولك على إقامة أو تأشيرة زيارة أو عمل لإيطاليا تسمح لك بزيارة كل هذه الدول 27!.
إننا مجموعة من الدول قررت أن تطلق على نفسها (دول مجلس التعاون الخليجي) وتعيش حول خليج مالح، وأرضها جرداء قاحلة، والعالم يحوم كالغربان حول بقعة الزيت التي تعشش تحت رمالها الحارة منذ ملايين السنين النفطية دون أن تستفيد منه كما يجب، والصراع محتدم في المنطقة وحولها بعد أن دخلت الجمهورية الإسلامية حلبة صراع التسلح النووي والتهديد الغربي لها وطموحاتها الإقليمية، والعالم شرقه وغربه يغلي بسبب الأزمات المتنوعة من بيئية إلى اقتصادية إلى صراع على البقاء إلى الفقر والمجاعات والحروب الدائرة في افريقيا وتوسع رقعة التطرف والإرهاب.
والقضية الفلسطينية تتقهقر ولم تعد تبحث حتى عن حل بل عن إزار يستر عورتها، وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة بعد أن رأت نار جهنم في العراق وأفغانستان بأم عينيها، باختصار؛ الأمور في المنطقة والعالم لا تسير في صالحنا، نحن دول مجلس التعاون الخليجي، وعلينا أن ننتبه للمخاطر التي تحدق بنا من كل صوب وجانب وإلى التحالفات العالمية الكبرى، ونحن قلة في العدد والعدة والمساحة وليس لنا إلا الله ومن ثم التضامن ليجنبنا ويلات انقلاب الأمور وتبدل الزمن.
نحن بيدنا القرار إما بالنظر إلى كبار الأمور أو بانشغالنا بصغائرها وإلى خلافاتنا المملة وبالتالي يضيع منا مقود السفينة التي لن ترحمها الأمواج المتلاطمة.
بيدنا القرار.....
جامعة الإمارات