يتحدثون في إسرائيل عن تفشي ظاهرة العنف المفرط داخلياً، إلى حد شيوع الجرائم السوداء، التي تنتهي باستسهال القتل وإزهاق الأرواح.

يعرض الأخصائيون الاجتماعيون والمراقبون وبعض الأوساط الصحافية نماذج للظاهرة، نفهم منها أن الأمن الذاتي الشخصي للأفراد بات معرضاً للانتهاك بشدة. وأن عدد القلقين وغير المطمئنين على أرواحهم وليس علي ممتلكاتهم فقط، في تزايد مستمر.

وأن معظم الذين يغامرون بالتريض على الشواطئ أو في المتنزهات العامة والمقاهي أو يفضلون التسوق بأنفسهم، باتوا لا يمشون إلا متوجسين، يحسبون كل صيحة عليهم، وعادة ما يحملون سلاحاً شخصياً ما..

هناك ما يوجب هذا الفهم دون الخوف من الوقوع في المبالغة.. ذلك أن أخبار اخر الجرائم تؤكد أن امرأ ما يمكن أن يقضي نخبه بسهولة لمجرد أن يقع في موقف تافه مثل التدافع على أولوية المرور بالسيارة أو الجلوس في مكان عام، أو لأسباب تبدو أكثر تفاهة ولا يصدقها عاقل.. كالتحدث بلغة لا يفهمها بعض المارة أو المتلصصين عن كثب!. ففي عسقلان، يحكون عن الشاب اليهودي الروسي الذي قُتل طعناً وعن أصدقائه الذين أشبعوا ضرباً حتى تهشمت عظامهم، لأنهم تبادلوا أطراف الحديث بالروسية.. التي ظن المعتدون أن المتحاورين بهذه «اللغة الغريبة» يهزأون بهم.

في تعليل الظاهرة وتحليل أسبابها، يعتقد البعض أنها تعود إلى قلة عدد رجال الشرطة قياساً بعدد السكان. فإسرائيل تُعد في ذيل قائمة الدول لهذه الناحية. وربما تعين عليها مضاعفة حجم جهاز الشرطة كي تصل إلى المعدل المطلوب لتحقيق الأمن الداخلي والسيطرة علي الانفلات الأمني الآخذ بناصية المجتمع. ويقال بالخصوص ان هذا الجهاز يجد صعوبة بالغة في تجنيد أفراد جدد إليه «لأن الإسرائيليين لا ينجذبون إلى هذه الوظيفة ويعزفون عنها» .

على الصعيد ذاته، ثمة من يعزو تفشي العنف إلى انتشار عصابات الجريمة والبلطجة المنظمة وغير المنظمة (العشوائية)، التي ينخرط فيها شبان عابثون وخارجون عن القانون.. يرتكبون أبشع الموبقات بفعل مؤثرات مختلفة، أبرزها إدمان المخدرات.

وهكذا فانه في الوقت الذي تنمو فيه بواعث الجريمة وتتكاثر الجماعات الضالعة في الإجرام، يعجز جهاز الأمن والشرطة عن النمو بالوتيرة ذاتها.. مما يجعل الغلبة للمجرمين.

لعل أكثر ما يعنينا في هذا المشهد، ولاسيما ما يتصل منه بتفسير استشراء العنف الإجرامي، أنه معطوف ابتداءً وانتهاءً على الإسرائيليين أنفسهم. فلا يوجد بين المنشغلين به من يجرؤ علي تعليقه بذمة الصراع مع الفلسطينيين. العنف هنا هو عنف بحت من إسرائيليين ضد إسرائيليين (يهود ضد يهود إن أراد البعض!). وتبدو القوى الفلسطينية الموصوفة بالاعتدال أو بالتطرف بريئة من هذه الظاهرة.

ملاحظة كهذه من شأنها جدلاً أن توحي بانفصام التفاعلات المتعلقة بسيرورة الصراع الخارجي مع العرب والفلسطينيين عما يعتمل في أحشاء التجمع الصهيوني الاستيطاني من ظواهر وحيثيات.. وفي تقديرنا أن هذا الإيحاء تنقصه النظرة الشاملة والمقاربة العميقة لقضية العنف الداخلي الإجرامي في إسرائيل. إنه لأمر معيب علمياً ومنطقياً أن تنتهي التحليلات ذات الصلة إلى إحالة هذه القضية لمجرد النقص في عدد رجال الدرك، مقارنة بعدد المجرمين.. وذلك عوضاً عن الإحاطة بالبيئة المجتمعية العامة والمعطيات الصراعية طويلة الأجل والمفعول التي يتحرك فيها العنف.

ترى، كيف يتأتى لفقيه أمني أن يعزل لقطات أو مشاهد العنف بين الإسرائيليين أنفسهم عن السياق الأوسع، الذي يبدو فيه العنف ضد الشعب الفلسطيني زاداً يومياً لهؤلاء الإسرائيليين ؟. كل من له دراية بديناميكية العنف، يعرف أن ممارسة العنف على الآخر يمكنها أن ترتد في لحظات بعينها إلى الذات.. وأن الحياة لفترة ممتدة في أجواء عنيفة ربما حملت أكثر الخلق مسالمة ووداعة على استمراء العنف وممارسته.

هذا الانتقال النوعي يصبح متاحاً أكثر ومبرراً بين يدي تجمع قام على العنف وعاش عليه وعايشه على مدار الساعة لعشرات السنين. وهو تصور يصدق تماماً على ما يجري في إسرائيل. وتتضاعف صدقية احتمال تحول الإسرائيليين إلى ممارسة العنف ضد الذات، بالنظر إلى تنحية القانون والأخلاق وعدم الاعتداد بهما طويلاً.

بمعنى أن الإسرائيلي الذي داوم على ارتكاب الفواحش والكبائر الإجرامية ضد الآخر، دون أن يخضع للمفاهيم القانونية والروادع الأخلاقية، قد يقع بسهولة فريسة الإحساس بأنه منفلت العقال ضد بني جلدته أنفسهم!. والإسرائيليون في كل حال ليسوا جميعهم حكماء؛ يمكنهم ضبط بوصلة عنفهم في كل الأوقات والمواقف، وتوجيهها فقط ضد الآخر.

إلي ذلك، يخطئ في تفسير اندياح العنف بين الإسرائيليين من لا يضع نصب تحليلاته حقيقتين كبيرتين: أولاهما، الصلة الوثيقة بين استشراء الفساد بكل أنماطه في تضاعيف «المجتمع» الإسرائيلي دون استثناء النخبة الحاكمة وبين تفشي العنف الداخلي.

وثانيتهما، أن الأبعاد الاستيطانية لإسرائيل الدولة فرضت عليها استقبال جموع غفيرة من العناصر الموسومة بالإجرام في بلادها الأم.. وليس بلا مغزي أن معدل العنف الداخلي قد اطراد بالزيادة بالتزامن مع تحول هذه الدولة إلى ملاذ آمن للكثيرين من أرباب الصحائف الجنائية والمطلوبين للعدالة في أقاليم الاتحاد السوفييتي السابق ودول وسط آسيا. ومن المعلوم أن أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي واحد من هؤلاء.. وهو الآن قيد المحاكمة بتهمة الفساد.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com