شهدت السنوات الأخيرة عودة القرصنة البحرية التي كان يسود الاعتقاد أنها قد اختفت منذ عدّة قرون.هذا الانبثاق للقرصنة يعود إلى تضافر مجموعة عوامل ترتبط عضويا مع مسار العولمة الليبرالية. وإذا كانت آليات القرصنة الحديثة تختلف حسب المناطق التي تُمارس فيها فإن أشكال مكافحة هذا التحدي الجديد للعلاقات الدولية تكشف عن عجز العديد من الدول وعن تحلل مفهوم الدولة ـ الأمّة في بعض مناطق العالم.

وأنه لأمر له دلالته ملاحظة أن نشاط القرصنة قد تقلّص كثيرا في منطقة جنوب ـ شرق آسيا ذات التقاليد «العريقة» بالقرصنة في مضيق ملقا وفي كل من الفيليبين وماليزيا واندونيسيا. إن الدول الشاطئية الإقليمية عبأت في السنوات الأخيرة إرادتها السياسية المشتركة وقواتها العسكرية من أجل مكافحة القرصنة التي جعلت هذه المنطقة البحرية منذ عشر سنوات هي الأكثر خطورة في العالم.لكن عبر التعاون والتنسيق منذ 4 سنوات تمّت مكافحة القرصنة بفعالية كبيرة،هذا إذا لم يكن القضاء عليها.

المسألة مختلفة تماما في خليج عدن وفي عرض الصومال حيث أخذت نشاطات القرصنة أبعادا مقلقة. وينبغي أولا التذكير بوضع الفوضى السائد في الصومال منذ سقوط زياد برّي عام 1991 وهزيمة الجيش الأميركي أثناء محاولة التدخّل التي قام فيها عام 1993.وبدا منذئذ أن المجموعة الدولية لم تعد تهتم بتلك البلاد وزاد في خطورة الوضع إعلان الاستقلال الذاتي لبونتلاند عام 1998.

القرصنة المحليّة هي نشاط تقليدي في المنطقة،لكن الجديد يكمن في أنها أصبحت صناعة منظّمة ومربحة. ولم يعد الأمر يتعلّق بالهجوم على سفن للصيد ولكن على سفن التجارة الدولية كما دلّ بوضوح اختطاف سفينة سيريوس ستار السعودية عام 2008 على بعد 800 كيلو متر جنوب شرق ميناء مومباسا الكيني.لقد وسّع القراصنة الصوماليون من مجال نشاطهم وطوّروا من أدوات عملهم عبر استخدام التكنولوجيا الحديثة من الأسلحة ووسائل الاتصال.

وكانت سفينة سيريوس ستار تنقل 2 مليون برميل من النفط الخام قيمتها 100 مليون دولار وبما أنها كانت كبيرة إلى درجة عدم إمكانية مرورها عبر قناة السويس كان عليها الدوران حول إفريقيا لتسليم الشحنة إلى الأسواق الغربية.

ومن المعروف أن الطريق البحري الذي يمر في خليج عدن للوصول إلى قناة السويس ليس أكثر أمانا رغم أن 16000 سفينة تأخذه كل عام.هذا يعني أن الطريقين البحريين من منطقة الخليج إلى أوروبا يقعان تحت تهديد القراصنة.وهذا له أثره على قيمة التأمين وبالتالي على أسعار الوقود في محطات التوزيع. ونظرا لضخامة التحدي لا يمكن للإجابة أن تكون سوى دولية مع العلم أنه لن تتم تسوية الأمر نهائيا طالما لم يستقر الوضع السياسي في الصومال.

وكانت عشرة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي قد نظّمت عملية «اتلانت» منذ شهر ديسمبر 2008 تحت قيادة بريطانية.وتتم المهمة الأوروبية بالتعاون الوثيق مع الحلف الأطلسي المتواجد في المحيط الهادئ كي يؤمّن خاصة وصول المساعدات الدولية إلى 3 مليون صومالي، أي 40 بالمائة من السكان.

هذه المستجدات قد تكون إيجابية لكنها لا تحل المشكلة سوى جزئيا نظرا لاتساع المنطقة المطلوب مراقبتها.من جهة أخرى استفاد القراصنة من البند الذي تبنّته في عام 1982 وثيقة الأمم المتحدة حول قانون البحار والذي زاد عرض المياه الإقليمية من 3 إلى 12 ميلا.لقد سمح ذلك لهم بالقيام بقرصنتهم في أعالي البحار ثم يلجئون إلى المياه الإقليمية لدولة ضعيفة مثل الصومال حيث يكونون بمنجاة من العقاب.ولهذا السبب كان الرئيس الصومالي قد طلب في عام 2008 من مجلس الأمن الاقتراع على قرار يسمح لبعض الدول المتعاونة العمل في المياه الإقليمية الصومالية متخليا بذلك عن جزء من السيادة الوطنية.

وعرفت الأشهر الأخيرة في بعض المناطق البحرية الخطيرة ظهور شركات خاصّة تؤمّن حماية السفن بواسطة وجود عناصر مسلّحين على متنها. ومثل هذه الخصخصة للأمن تطرح عدة مشاكل قانونية وسياسية إذ تضع بعض الدول الضعيفة تحت الوصاية عمليا. هكذا نرى في القرن الحادي والعشرين بروز شركات خاصّة خوّلتها الدول شن حرب ضد القراصنة،الأمر الذي يمنعه القانون الدولي منذ عام 1856.

كاتب فرنسي

mohaklouf@yahoo.fr