الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت يوم السابع والعشرين من ديسمبر العام الماضي، واستمرت حتى الثامن عشر من يناير مطلع هذا العام، أثارت كما لم يحصل في وقت سابق، ردود أفعال قوية على مستوى الرأي العام الدولي ومنظمات المجتمع المدني، ومؤسسات حقوق الإنسان.
على خلفية قرار إسرائيلي سابق اتخذته حكومة أولمرت المنصرفة في سبتمبر من العام 2007، يقضي بالتعامل مع قطاع غزة ككيان معاد، تعاملت إسرائيل في الحرب على القطاع، خارج الإطار القانوني والأخلاقي، الذي يلزم قوة الاحتلال بعدم استخدام الأسلحة شديدة القوة التدميرية مع سكان الأراضي المحتلة، وعلى اعتبار أنها انسحبت من القطاع في سبتمبر 2005، وتتصرف على أنها لم تعد مسؤولة عنه.
كان هذا الاعتبار، يشكل ثقلاً واضحاً في رأي القاضي الجنوب إفريقي واليهودي الأصل ريتشارد غولستون، الذي ترأس لجنة حقوق الإنسان الدولية، التي تتشكل من أربعة أعضاء، وفريق ميداني مكون من اثنتي عشرة شخصية، مكلفة بالتحقيق في جرائم حرب محتملة في قطاع غزة.
وبالكاد استطاع ممثلو مؤسسات حقوق الإنسان في القطاع، والشخصيات التي قابلتها اللجنة، من إقناع غولدستون بتغيير موقفه من مسؤولية إسرائيل كدولة محتلة، لقطاع غزة، وينطبق عليها القانون الدولي كما في حالات الاحتلال.
كما تقاطع إسرائيل كل لجان التحقيق الدولية، وترفض التعامل معها، أو تسهيل عملها، قاطعت إسرائيل اللجنة التي يترأسها غولدستون، واتهمتها سلفاً بالانحياز ضدها، ورفضت السماح لها بالعبور إلى غزة، أو استكمال تحقيقاتها الميدانية في إسرائيل، مما أدى باللجنة لزيارة غزة مرتين من خلال معبر رفح على الحدود المصرية مع القطاع.
ولاحقا أجرت اللجنة جلسات استماع علنية مع شهود عيان وضحايا في غزة وفي جنيف، وهي بصدد إصدار تقريرها خلال هذا الشهر، غير أن المؤشرات الأولية، تشير بأن التقرير سيضع اليد على جرائم حرب ومخالفات وقعت بها القوات الإسرائيلية، حيث علق غولدستون في مؤتمر صحفي في الثامن من يوليو الماضي، قائلاً إن «الشهادات التي استمع إليها من الضحايا والشهود، كان من الصعب جداً على المرء أن يتحمل سماعها».
لجنة التحقيق التي يرأسها غولدستون لم تكن الأولى والأخيرة، فلقد سبق ذلك تقرير صدر عن لجنة مكلفة من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، انحصرت مهمتها في التحقيق بانتهاكات إسرائيلية بحق تسع حالات تتصل بمقرات الأمم المتحدة التي يفترض أنها تحظى بحصانة قانونية. التقرير الذي حمّل إسرائيل المسؤولية عن ست خروقات.
وطالب بأكثر من أحد عشر مليون دولار كتعويض، وبالرغم من المناقشة في مجلس الأمن الدولي، تم اعتباره تقريراً داخلياً. الأمين العام على الأرجح أنه تجاهل عن عمد مسؤولياته الأممية وتحت ضغط التدخلات السياسية، تجاهل حصيلة الحرب الإسرائيلية التي تقول تقارير الأمم المتحدة إنها أدت إلى تدمير كلي أو جزئي لخمسين ألف منزل، وثمانمائة منشأة صناعية ومدرسة وتسعة وثلاثين مسجداً، وكنيستين فضلاً عن آلاف الشهداء والجرحى والأسرى.
منظمة العفو الدولية بدورها قامت بالتحقيق في مجريات الحرب، وأصدرت تقريراً نشر في بداية يوليو الماضي، وشكّل أول دراسة معمقة للحرب في 117 صفحة، جدد الدعوة إلى حظر تام وفوري للأسلحة المتجهة إلى إسرائيل، وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. كما طالب التقرير دول العالم لإطلاق ملاحقات قضائية بتهمة ارتكاب «جرائم الحرب» وبتوقيف المشتبهين في ارتكابها.
غير أن التقرير وقع في خطأ المساواة بين الجلاد والضحية، حين أقرن اتهامه لإسرائيل باستخدام المدنيين كدروع بشرية، وبارتكاب جرائم الحرب، باتهامه «حماس والجماعات الفلسطينية المسلحة بإطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل ما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين ونزوح مئات الآلاف من سكان جنوبها».
وفيما تصر مستويات القرار العسكري والسياسي والأمني في إسرائيل إنكار التهم الموجهة إلى جيشها، وترفض نتائج التحقيق، حتى أن وزير الدفاع براك يعتبر «أن الجيش الإسرائيلي هو أكثر الجيوش في العالم أخلاقية»، إلا أن شهادات العديد من جنوده وضباطه فضحوا زيف هذه الادعاءات وسخروا من تلك الأقوال والتصريحات.
سبع منظمات حقوق إنسان في إسرائيل قدمت تقريراً خطيراً للجنة غولدستون بشأن انتهاك إسرائيل قوانين الحرب، أما منظمة «كسر الصمت» الحقوقية في إسرائيل، فقد قدمت تقريراً من مئة واثنتي عشرة صفحة تضمنت إفادات لنحو ثلاثين جندياً شاركوا في الحرب، تؤكد جملة من الاتهامات، التي تحمل القيادة المسؤولية عن مخالفات قانونية وأخلاقية وانتهاكات صعبة ترتقي إلى جرائم حرب.
والسؤال هو إلى أي مدى يمكن أن تؤدي هذه التقارير الهامة لدفع إسرائيل إلى محكمة جرائم الحرب الدولية؟ في الواقع فإن كل هذه اللجان والتقارير والنتائج تفتقر إلى آليات التسييس، طالما أنها تظل تقارير معزولة، والأرجح أن تظل كذلك، اللهم إلا إن سمحت الدول الحليفة لإسرائيل بتصعيد ضغوطاتها على الدولة العبرية، وإلى ذلك الحين فإن نتائج هذه التحقيقات قد تخدم كمؤشرات أو أوراق ضغط محتملة، أو ربما تُحال إلى ملفات الأرشيف.
ونلاحظ الفارق الكبير والنوعي، حيث لا تحرك الولايات المتحدة والقوى الغربية أي قضية ضد إسرائيل لمعالجتها تحت البند السابع، رغم أن ملف الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية متضخم، وطافح بالقضايا، غير أن تلك القوى وحين أرادت، حركت ملف دارفور.
وقامت بتسييس الاتهامات ضد الرئيس السوداني عمر البشير، ثم عادت وأيضاً انطلاقاً من مصالحها، لتغض النظر عن قرار المحكمة الدولية بشأن ملاحقة واعتقال البشير.
على أن المسؤولية عن تعطيل دور الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، بحق إسرائيل لا تقع فقط على الولايات المتحدة، والدول الغربية التي ترعى وتحمي إسرائيل وتتواطأ معها، إذ يتحمل الانقسام الفلسطيني مسؤولية كبيرة عن تعطيل الآليات المطلوبة بتغيير كيفية التعامل مع ملف جرائم الحرب الإسرائيلية، والحال ذاته ينسحب على العرب، وجامعتهم التي تخضع هذا الملف لمتطلبات السياسة، وهنا نتساءل، هل تستطيع السياسة المتصلة بجهود السلام، توظيف هذه التحقيقات في ممارسة ضغوط ولو مُخففة على إسرائيل؟
كاتب فلسطيني
