دخل المطار وإذا به مكتظ بالمسافرين. وقف في طابور شحن الحقائب، وعندما اقترب من موظف الشحن عرفه، فقام من كرسيه وترك الناس في طابور الانتظار وتوجه إليه قائلاً: أنت فلان؟ نعم!
عرفتك من التلفاز ومن مقالاتك التي تكتبها في الصحف، أريد أن أنصحك... قاطعه صديقي قائلاً: «ولا كلمة، عد إلى كرسيك وأنجز معاملات الناس الذين ينتظرون منذ ساعات في هذا الطابور الطويل. وقبل أن تنصحني عليك بنصح نفسك، والانتباه إلى عملك، فأجر ذلك أكبر من أجر النصيحة».
حصلت هذه القصة لأحد أصدقائي ـ الذي أفضّل عدم ذكر اسمه حتى لا تنهال عليه الانتقادات ـ وهو مسافر في إجازة الصيف. لم يستغرب صديقي رغبة الموظف (الذي يدّعي التدين) في نصحه، بل استغرب في أنه لم يشتمه لأنه مصنّف على الضفة الأخرى من النهر.. تلك التي لم يصلها هذا الموظف ولا أظنه سيجرؤ على العبور.
اعتقد ذلك الموظف، شأنه في ذلك شأن كثير من الناس، أنه من واجبه إبداء النصيحة لأي شخص يعتقد بأنه يمشي في الطريق الخطأ من وجهة نظره، سواء كان ذلك الشخص أكبر منه سنّا ؟
كما هو الحال في قصتنا هذه ؟ أو أغزر منه علماً واطلاعاً، وهو بذلك يحاول تطبيق الحديث الشريف الذي يقول: إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله، قال لله وكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم أو أئمة المسلمين وعامتهم. عندما نقرأ شرح الحديث في سنن أبي داود نجد تفسير جملة (النصيحة لعامة المسلمين) كالتالي: والنصيحة لعامة المسلمين، إرشادهم إلى مصالحهم، وأتساءل هنا، ما هي صفات المرشد؟
أليس المرشد شبيهاً بالطبيب، بل إن الطبيب إن أخطأ في نصيحته فإنه قد يؤذي مريضاً واحداً، أما المرشد فإنه دائماً ما يلتف حوله الكثير من الناس ليستمعوا إليه، وإن أخطأ في نصيحتهم، فإنه قد يؤذي مجتمعاً كاملاً. يعتقد بعض الناس أنه واجب عليه تقديم النصيحة دون أن يتحقق من مؤهلاته أولاً ومن الشخص الذي ينصحه ثانياً، مخالفاً في ذلك الأئمة الكرام الذين كان قول «لا أعلم» في حديثهم أكثر من فتاواهم، متحاشين بذلك أن يخطئوا في نصيحة الناس ويوردوهم المهالك.
إن للنصيحة شروطاً مثلما للصلاة والزكاة والصوم شروط، ولا يجوز لأي كان أن يتنطّع بها كيفما يشاء مدّعياً حرصه على من ينصحه، فمن السهل أن تنتقد ولكن من الصعب أن تكون على صواب. يسألني أبنائي، سعيد وعمر، عن أشياء كثيرة في الحياة، ولا أخجل من قول «لا أعلم» بل أبحث معهم عن المعلومة التي لا أعرفها حتى يتعلّموا أهمية البحث عن الحقيقة، وحتى يدركوا في المستقبل بأنه عليهم إلا يصدّقوا كل ما يقال لهم دون التأكد من صحّته.
إن رغبة المرء الدائمة في إسداء النصيحة هي دليل على حاجته إليها، وهي أيضاً دليل على أنه يسعى لإثبات أن الآخرين على خطأ حتى يكون هو على صواب ويرضى عن نفسه. علينا إلا ننكر أنه من الصفات العقيمة في مجتمعاتنا العربية الحسد والغيرة، وانظر إلى المبدعين الذين تركوا إبداعاتهم وانهمكوا في حياة بدائية روتينية لا لشيء إلا لأن المجتمع لم يتقبل كونهم مبدعين.
إن سلوكنا طريق النقد الهدّام أو «النصيحة» كما يحب أن يسميها بعض الناس، هو أسهل طريق نسلكه لكي نشعر بالرضى عن أنفسنا. فعندما يقنع شخص نفسه ومن حوله بأن الكاتب الفلاني ضال أو علماني أو ليبرالي أو أي صفة من تلك التي ينعت بها كتاب اليوم، فإنه يحمد الله أنه لم يكن مثله، على الرغم من أنه عالة على المجتمع، وعبء زائد على الحياة وعلى من حوله.
يخبرني نفس الصديق عن قصة ثلاثة إخوة سافروا مع أبيهم لعلاجه في أميركا، وعندما زارهم في المستشفى للاطمئنان على حال أبيهم، وجدهم يلعنون أميركا ويدعون عليها بالزوال وينتقدون المجتمع الأميركي الكافر الضال الذي لا يقارن بمجتمعهم المتدين المحافظ. وفي خضم ذلك الحوار، دخلت ممرضة كبيرة في السن لتعطي الأب جرعته من الدواء.
وعندما انتهت، انحنت على يد الأب وقبّلتها ثم انصرفت، فقال الأب: «هؤلاء هم الذين تلعنونهم وتتمنون زوالهم وأنتم هنا بينهم لكي ينقذوا لكم أبيكم من الموت» ثم طردهم من الغرفة لكي يريح عقله ويريح جسمه.
في خضم معركتنا الخاسرة في إثبات أن الآخر أسوأ مِنّا، ننسى بأننا نركب سيارة من صنعه، ونتحدث في هاتف من اختراعه، ونتناول دواءً من إنتاجه، وفي النهاية نسدي له «النصيحة» لكي نثبط عزيمته ونعيده إلى عصر الظلام الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية، في الفكر والمعرفة والتكنولوجيا والتعليم.
عندما يترك موظف مكانه ويهمل إنجاز معاملات الناس ويقفز فوق الحقائب لينصح شخصاً أكثر منه علماً فإنه يرتكب إثماً يعتقد بأنه حسنٌ، ويظن بأن النصيحة أولى من إتقان العمل الذي أمره به الله عز وجل.
إذا أفرطنا في الاستماع إلى النصائح سينتهي بنا الحال إلى ارتكاب أخطاء الآخرين، وإذا أفرطنا في إسداء النصائح فإننا سنقوّض ما حققناه في السنوات الأخيرة على صعيد التنمية الإنسانية ؟ وإن كانت بسيطة - لينطبق علينا قوله تعالى: «كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة».
كاتب إماراتي