لم تعان دولة في الحرب العالمية الثانية مثلما عانت روسيا في الاتحاد السوفييتي، فقد تعرضت لحصار ودمار شديدين، وتعدى عدد الضحايا الروس في الحرب أكثر من 12 مليون نسمة، ومع هذا فلا يمكن لأحد أن ينكر أنه لولا روسيا السوفييتية ما كانت هزيمة النازي الألماني وقوات المحور ممكنة، هذه الحقيقة التي ينكرها البعض، بينما البعض الآخر يشوهها تماما ويحولها للعكس مدعيا أن روسيا ساعدت هتلر في حربه في أوروبا بموافقتها على توقيع اتفاق معه.

قبل سبعين عاما وقعت ألمانيا «اتفاقية عدم اعتداء» مع الاتحاد السوفييتي في 23 أغسطس من سنة 1939. وبعد ثمانية أيام من توقيع ما يذكره التاريخ بأنه «اتفاق مولوتوف ـ ريبينتروب» نسبة إلى وزيري خارجية الدولتين اللذين وقعا الاتفاقية في موسكو بحضور الزعيم السوفييتي ستالين، بدأت الحرب العالمية الثانية باعتداء ألمانيا على بول ندا. ومن هنا فقد زعم مؤرخون محسوبون على القوى المتربصة شرا بروسيا أن ذلك الاتفاق أتاح لهتلر فرصة الانقضاض على أوروبا.

والحقيقة أن القيادة السوفييتية نظرت إلى ألمانيا بقيادة هتلر بأنها عدو لا بد من أن يغتنم الفرصة السانحة لمهاجمة الاتحاد السوفييتي طال الزمن أو قصر. وأبلغ دليل على ذلك مذكرة رفعها رئيس أركان الجيش الأحمر (جيش الاتحاد السوفييتي) إلى وزير الدفاع السوفييتي (فوروشيلوف) في 24 مارس 1938. وجاء في تلك المذكرة إن تطورات الوضع السياسي الدولي تستوجب أن يستعد الاتحاد السوفييتي لحرب تشنها ألمانيا من الغرب وحرب أخرى تشنها اليابان من الشرق.

واقع الحال، خاض الجيش الأحمر الحرب الحقيقية ضد الجيش الياباني في منغوليا منذ مايو 1939. ويكفي شاهدا على ذلك أن تستخدم وحدات من الجيش الأحمر هناك عددا من الدبابات يفوق عدد الدبابات الموجودة بحوزة الجيش البولندي بكامله في سبتمبر 1939 بينما عادلت خسائر الجيش الياباني مثلي خسائر الجيش الألماني الذي اجتاح بولندا في سبتمبر 1939.

وفي تلك الأثناء تعمد حليفا الاتحاد السوفييتي مستقبلا وهما البريطانيون والأميركيون تسويف مباحثاتهم مع القيادة السوفييتية التي اقترحت عليهم أن يدخلوا في حلف مع الاتحاد السوفييتي من أجل إيقاف هتلر. وهكذا فقد كان ممثلو بريطانيا يسافرون إلى موسكو لإجراء المباحثات بطريق البحر وليس بطريق الجو، وذلك حتى يستغرق وقتا أطول على أمل أن يوجه هتلر جيوشه إلى الشرق حيث الاتحاد السوفييتي وليس إلى الغرب.

ولم يجد ستالين، والحالة هذه، مناصا من أن يستجيب لنداء وجهه هتلر عبر وزير خارجيته ريبينتروب الذي أبرق إلى السفير الألماني في موسكو في فجر 15 أغسطس 1939 مطالبا إياه بإبلاغ وزير الخارجية السوفييتي بأنه (ريبينتروب) مستعد للسفر إلى موسكو ليطلع «السيد ستالين على وجهة نظر الفوهرر (هتلر)» كما كشف عن ذلك المؤرخ الروسي الكسندر شيروكوراد.

والأغلب أنه لم يكن في تصور ستالين وقتذاك أن يتمكن هتلر من اجتياح بولندا وبعدها فرنسا في زمن قصير ولكنه كان صائبا في ما كان يشعر به من أن إضاعة أو تفويت الفرصة لإلغاء الهجمة الألمانية المحتملة أو، على الأقل، تأخيرها لا يجوز.

وأتاح «اتفاق مولوتوف ـ ريبينتروب» للاتحاد السوفيتي فرصة استرداد الأراضي التي فقدتها روسيا في نهاية الحرب العالمية الأولى في غرب أوكرانيا وغرب بيلاروسيا وفي منطقة البلطيق بعدما استسلمت بولندا أمام هتلر. ولو لم يتحقق هذا ربما تمكن هتلر من دخول موسكو في عام 1941 وهو ما كان سيمهد له طريق فتح بريطانيا وتحقيق أهدافه بالسيطرة على أوروبا وعلى قارات أخرى.

وما زال مناوئو الحق والحقيقة، مع ذلك، يلوحون بـ «اتفاقية عدم الاعتداء» بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي كلما أرادوا أن يطعنوا روسيا. وبلغوا مؤخرا من وقاحتهم حد مساواة «نظام ستالين» بـ «نظام هتلر» بتقديم مشروع قرار بهذا الشأن إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، مقترحين أن تقام مراسم إجلال أرواح ضحايا النظامين في يوم واحد هو 23 أغسطس يوم توقيع اتفاق عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي، معتبرينه في رأيهم يوم الخيانة الروسية والتفاهم النازي السوفييتي ضد أوروبا.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru