حين سقط النظام العراقي السابق تحت الاحتلال الأميركي، في التاسع من أبريل عام 2003، امتلأ الشارع العراقي بمختلف الشعارات السياسية، رفعتها قوى وأحزاب مختلفة، لا حصر لها، بعضها صديق لهذا الشارع، وبعضها طارئ عليه. وكان الوضع أشبه بأتون يغلي من الصعب التنبؤ بمساراته إلى حالة الاستقرار.

كان من الواضح، أن يصبح للأحزاب الكردية والشيعية التي دخلت في حلف مصالح، دور مهم في العراق الجديد الذي حرص الاحتلال على صياغته بطريقة تكرس ضعفه وتضمن ملازمة حالة مرضية له، من خلال اعتماد المحاصصة العرقية والطائفية في نظام الحكم وتوزيع المسؤوليات، وهو ما تقبله ووافق عليه قادة الأحزاب المذكورة، متصورين أن التوليفة الجديدة سوف تسمح لهم بالإمساك بتلابيب الحكم، معتبرين أن الأغلبية العددية لطائفة معينة، في المناطق العربية، والإرث التاريخي للحزبين الكرديين في إقليم كردستان، يشكلان ضماناً أكيداً لعدم إفلات الحكم من أيديهم.

كان الرهان على المصالح المتبادلة بين هذه الأحزاب، فاعتمد بعضها على الحوار الديني، واعتمد البعض الآخر على التمسك بالمطالب القومية حتى لو تعارضت مع بعض الثوابت الوطنية. إلا أن الحوار الديني سرعان ما سقط في فخ المذهبية ليصبح حوار الطائفة الواحدة، وذلك لأنه لم يكن حواراً دينياً، وإنما كان حواراً سياسياً تستر بالدين وتحجب به، ليحقق، باسم المقدس، مآرب أصحابه في المال والجاه والنفوذ.

وقد وجدت هذه الأحزاب نفسها بعد وقت قصير، غير قادرة على تطوير هذا الحوار إلى مجهود حقيقي للنهوض، بعد أن تقوقع بعيداً عن رغبة الشارع وتطلعه. في حين قادت سياسات الحزبين الكرديين إلى ظهور أجواء متشنجة في عدد من محافظات العراق حول المناطق المتنازع عليها، وهو ما يمكن اعتباره أخطر ما أفرزته العملية السياسية في العراق منذ بدئها.

أربع سنوات مضت منذ أن غمس ملايين العراقيين إبهامهم في الحبر البنفسجي ليصنعوا مستقبل بلادهم، الحصاد في هذه السنوات ليس مما يفخر به أحد، فعلى جميع المستويات هناك إخفاقات شديدة، ليس بسبب عدم كفاءة من احتل المواقع القيادية في الدولة فحسب، وليس بسبب عدم نزاهة عدد كبير منهم فقط، وإنما بسبب آخر أكثر أهمية، وهو عدم وجود نوايا حقيقية للنهوض بالبلد من كبوته.

وكأن هناك إرادة تحركهم ليبقى العراق بلداً ضعيفاً غير قادر إلا على الاعتماد على الآخرين في توفير ما يحتاجه. الشيء الوحيد الذي دأبت حكومة رئيس الوزراء على ذكره كأحد المنجزات، هو التحسن الأمني، وقد تبين لاحقاً مدى هشاشته بعد أن هزت تفجيرات الأربعاء الدامي أركان الحكومة.

ولم تكتف الأحزاب التي أمسكت بدفة الحكم، بالفشل في إدارة الدولة فحسب، بل مارست سياسات تتسم بالعنف في المجتمع، تجعلها غير بعيدة عن سياسات الطغاة حين تلوح لهم فرصة الهيمنة على الحكم. وقامت بفرض نفوذها على الشارع بشتى الوسائل، ومارست عبر الميليشيات التي شكلتها، عمليات قمع وتهجير وتصفيات جسدية، وحاربت كل فكر آخر يتعارض معها، ليس عبر الحوار وإنما عبر بث الرعب.

واستغل بعضها منابر المساجد للتحريض على القتل، وسمحت سياساتها بتغلغل الفاسدين إلى مواقع حساسة في القوات الخاصة المكلفة بحماية كبار المسؤولين، ليتمتعوا بميزة تمكنهم من تلبية طموحاتهم غير المشروعة، التي كان آخرها السطو المسلح على فرع مصرف الرافدين في الكرادة، وسرقة ما يقرب من أربعة ملايين دولار وقتل ثمانية من حراسه.

كما هيمنت هذه الأحزاب على المفاصل الحساسة في جميع الوزارات، وفق تقسيم حصصي أبعد معظم الكفاءات العراقية، من غير المنتمين إلى هذه الأحزاب، عن المواقع الجديرة بها للعمل على إعادة بناء الوطن.

التذمر في الشارع العراقي في تزايد، مع استمرار التردي في الخدمات وعدم تمكن الأجهزة الأمنية، على ضخامتها، من حماية المواطن والحفاظ على حياته.

ولعل أبرز ما يجدر ذكره في هذا الصدد هو التظاهرة التي قام بها الإعلاميون في شارع المتنبي مؤخراً، احتجاجاً على بعض الإجراءات التي اتخذت للحد من حرية الإعلام الذي بدأت تخشاه هذه الأحزاب مع قرب الانتخابات النيابية مطلع العام القادم.

المشهد العراقي يزخر بالكثير من الأحداث الكبيرة، فالأحزاب الحاكمة قد بدأت تستشعر الخوف مما هو قادم، فهناك مؤشرات قوية على تغير مزاج الناخب ورغبته في إزاحتها عن الساحة السياسية التي سيطرت طيلة السنوات السابقة. فانتخابات مجالس المحافظات قد كشفت مدى الانحسار الجماهيري للقوى التي تمسكت بعباءة الدين.

كما أن انتخابات إقليم كردستان قد أفرزت ظهور معارضة قوية في برلمان الإقليم، زعزعت كثيراً من نفوذ قياداته التقليدية، فالقائمة الكردستانية التي تضم الحزبين الرئيسيين لم تحصل سوى على 59 مقعداً من أصل 111.

والآن وقد أصبحت الانتخابات النيابية على الأبواب، بدأت هذه الأحزاب بلم شملها ووضع المساحيق على وجوهها، لتتجمل أمام الناخب الذي ضللته في جولتين انتخابيتين سابقتين.

فقد شهدنا الإعلان عن عودة الائتلاف العراقي الموحد تحت مسمى آخر للخروج، في الظاهر، من عباءته الطائفية إلى العباءة الوطنية. الوجوه هي نفس الوجوه التي جربها الشارع العراقي، مع غياب رئيس الوزراء وكتلته الذي يبدو أنه أقرب إلى خوض الانتخابات القادمة بعيداً عن حلفائه السابقين، فحظوظه سوف تكون أكبر وهو بعيد عنهم، كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات. وقد ضم الائتلاف الجديد بعض الوجوه، وليس الكيانات، الجديدة، كما عاد إليه بعض العلمانيين الذين خرجوا منه في الانتخابات السابقة وخسروا مقاعدهم النيابية، أملاً في استعادتها.

ليس من المتوقع أن تكون أجواء الانتخابات القادمة هادئة نسبياً كسابقاتها، فالمشاهد الدموية في الأربعاء الدامي ليست في الحقيقة معزولة عن المشهد الانتخابي، وتتوقع جهات عديدة، ومنها الجانب الأميركي، تصاعد العنف مع قرب موعد الانتخابات.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae