«البوذيون يقولون إن الحياة نهر، وإننا نبحر على طوف باتجاه الهدف النهائي. للنهر تياره، سرعته، صخوره الناتئة، دواماته، وعوائق أخرى لا نستطيع التحكم بها، ولكن لدينا مجداف لتوجيه الطوف في الماء. وعلى مهارتنا تعتمد نوعية الرحلة، لكننا غير قادرين على تغيير المسار، لأن النهر يصبّ دون مناص.. في الموت».
بهذه السطور، التي اقتبسها من مذكرات إيزابيل إلليندي (حصاد الأيام)، أود أن أبدأ مقالتي ونحن لا نزال في العشر الأوائل من هذا الشهر الذي كان بعضنا فيه العام الماضي مجتمعين مع أحباب وأقارب وجيران، ربما لم يعرفوا قيمتهم جيدًا، أو أنهم يدركونها ضمنًا، لكننا اعتدنا على ألا نعبر عن مشاعرنا تجاه من نحب، ولا يخطر في أذهاننا مجرد التفكير فيها، وإن حدث وفكرنا في مشاعرنا تجاه الأشخاص القريبين جدًا، المحيطين بنا، الذين نعدهم جزءًا من كينونتنا، فإننا نجد صعوبة في التعبير عنها قولا.
أظن أننا نجيد التعبير بلغات أخرى، بالسمع والطاعة، وبالهدايا، والمحظوظ منا من يستطيع أن يعبر بملامح وجه بشوش ومتهلل ـ وهو وجه أصبح نادراً هذه الأيام ـ لكننا لا نجيد التعبير بالكلمات عن هذه المشاعر، ونهر الحياة يمضي، ويأخذ من يأخذ في طريقه نحو هدفه النهائي، نحو محطته الأخيرة، ونبقى بعدهم نبكي أيامًا كانوا فيها بيننا، ولم نقل لهم إننا نحبهم، ولم نقل لهم إن الحياة أجمل بوجودهم، ولا نزال نبحر في نهر الحياة، ولا نعلم أينا سيكون ميناؤه الأخير قبل غيره ممن يشاركونه الإبحار في الزمان والمكان.
لقد كانوا بيننا، في مثل هذه الأيام، في مثل هذا الشهر، قبل عام واحد فقط، وكانوا يستطيعون سماعنا لو كنا قلنا لهم شيئًا، وكانوا يستطيعون أن يقولوا لنا مثل ما سنقوله لهم، ولكن نهر الحياة أخذهم في اتجاه لن يعودوا منه مرة أخرى، فهل ننتظر إلى أن يأخذ هذا النهر غيرهم حتى نعيش الندم ذاته معهم أيضًا، أو أن يأخذنا من بينهم قبل أن نقول لهم ما لم نقله.. بالكلمات، وليس بغيرها؟
ننشغل كثيرًا بالموانئ الصغرى التي سنمر بها قبل أن نصل ذلك الميناء الأخير، الموانئ الصغرى هي أهدافنا الحياتية التي تبدو لنا أقرب زمنًا، وأكثر إلحاحًا على الذهن، ولا أبالغ إن زعمتُ أنها قد تصبح في بعض لحظات الغفلة البشرية أكثر أهمية من الميناء الأخير، وهذا ما يجسده واقع حال معظم الناس، حتى إذا جاء هذا الشهر الكريم التفت بعضهم ـ ولن أقول أكثرهم ولا أقلهم ـ للميناء الأخير، وفكروا به في شهر كما لم يفكروا به خلال سنة كاملة، ما بين صيام وقيام وصدقة وزكاة، ثم..
ينتهي الشهر، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه، ونهر الحياة يمضي، لا يعبأ بمن تذكر أو غفل.. فلكل وجهة هو موليها، وسيصل ك واحد منا في نهاية المطاف إلى الوجهة التي كانت أعماله تقوده إليها.
نقف كثيرًا عند العقبات والعوائق.. كالسرعة التي تسير بها الأمور، فنتذمر دائمًا سواء إن كانت الأمور تسير بأسرع مما نرغب ـ حين لا نشعر بالرضى عما يحدث ـ أو إن كانت الأمور تسير بأبطأ مما نحب ـ حين نرغب في حدوث أمر ما، ولكنه يتأخر، فنشعر بثقل الوقت-، نفكر كثيرًا في أمر الزمن، ولعله من أكثر ما يقلقنا، وفي جميع الأحوال لا نشعر بالرضى عنه، إنه عقبة دائمة تشغل جزءًا من تفكيرنا المحصور فيما نريد عاجلا، دون أن نهتم بما سيؤول إليه أمرنا آجلا من جهة، ودون أن نهتم بمن سنفقد خلال هذه الرحلة الطويلة قبل أن ننتبه إلى أننا لم نعش معه التفاصيل الحياتية الصغيرة التي قد نهملها ولا نفكر بها إلا بعد يرحلوا.
الصخور الناتئة والدوامات التي تعترض طريقنا، وتحول دون وصولنا لأهدافنا الكبيرة في نظرنا، الصغيرة بمقاييس أخرى، عقبات نقف عندها طول الوقت.. نندب حظًا، ونشكو زمنًا، ونذرف الدمع ونحن نفكر في كيفية تجاوز عقبة ما، أو التخلص من عائق ما، ولا نعرف أننا نضع الكثير من العوائق والعقبات في طريق آخر، يأخذنا فيه نهر الحياة ونحن منساقون إليه بكامل إرادتنا وغفلتنا في الوقت نفسه.
غفلتنا عن المعنى الحقيقي للحياة، أقصد المعنى الروحي لها، تجعلنا نعيش جزءًا منها فقط، إننا نعيش جانبها المادي، ولا نشعر بعظمة جانبها الروحي. الجانبان يتكاملان، ولا يستطيع إنسان أن ينغمس في أحدهما فقط ويشعر أنه يعيش حياة طبيعية بنفسية مستقرة. وحين يستحوذ أحد الجانبين على الآخر تصبح حركتنا في نهر الحياة ثقيلة، ومختلّة، لأننا نبحر بمجداف واحد فقط.
المجدافان بأيدينا، لو كنا نفكر قليلا، - لو أردنا أن نفكر-، ونستطيع باستخدامهما الاستخدام الأمثل أن نوجّه سيرنا في هذا النهر العظيم.. لا يمكننا التفكير فقط في الآجل، وترك العاجل، فهذا منطق ضعف لا يرضى به عاقل.. ومن الصعب أن نفكر في العاجل فقط ونغفل الآجل، فهذه مادية لا تلتقي معها أرواحنا.. ربما علينا أن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدًا،.
وكذلك أن نعمل لآخرتنا كأننا نموت غدًا، حتى نجد ما يعطي أرواحنا راحتها الأبدية في مينائها الأخير؛ فالنهر مشغول بأخذنا نحو ذلك الميناء، غير عابئ بالتفاصيل التي نعيشها في طريقنا نحوه. هذه التفاصيل خاصة بنا، بكل واحد منا، يصوغها كيف شاء، ويعيش حياته بالطريقة التي يريدها، حتى لو عاكسته أمواج هذا النهر، وحتى لو اعترضته العقبات والعوائق، فالإرادة البشرية أقوى دائمًا من غيرها.
جامعة الإمارات