عقد في العاصمة النمساوية فيينا الأسبوع الماضي اجتماع غير رسمي بين المغرب وجبهة البوليساريو بشأن نزاع الصحراء الغربية برعاية الوسيط الدولي كريستوفر روس. وجاء هذا الاجتماع تمهيدا لاستئناف المفاوضات في نيويورك والتي لم تنجح أربع جولات منها في بلورة حل سياسي لإنهاء الصراع المستمر منذ أربع وثلاثين سنة.

وبهذه المباحثات غير الرسمية حاول كريستوفر روس انتزاع توافق طرفي النزاع حول أجندة المفاوضات الرسمية في ظل تمسك كل طرف بموقفه، فالمغرب يقترح حل الحكم الذاتي كأرضية وحيدة للتفاوض، والبوليساريو تتشبت بمقترح تنظيم استفتاء لتقرير المصير.ورأس الوفد المغربي وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري في حين رأس الوفد المفاوض من جانب البوليساريو رئيس البرلمان محفوظ علي بيبة، بما يعنى أن هذه المباحثات التمهيدية كانت على أعلى مستوى من الطرفين الأمر الذي يؤكد جديتهما في التوصل إلى تسوية لهذه المسالة التي تعوق حلحلة العديد من الملفات الإقليمية في منطقة المغرب العربي.

وقد قال كريستوفر روس وسيط الأمم المتحدة في الصراع بعد ختام الاجتماع في بلدة دورنشتاين النمساوية انه سيقوم في اقرب وقت ممكن بترتيب عقد جولة مباحثات أخرى تهدف إلى اجتياز المأزق الذي وصل إليه النزاع وقال روس عن المحادثات في بيان للأمم المتحدة «جرت المباحثات في جو من الحوار الجدي والصراحة والاحترام المتبادل».

وأضاف «كرر الطرفان التزامهما بمواصلة مفاوضاتهما في اقرب وقت ممكن وسوف أقوم بتحديد الموعد والمكان للاجتماع القادم بالتشاور مع الطرفين». وأكد أن المغرب وبوليساريو اتفقا على مواصلة المحادثات بعد تبادل وجهات النظر في الاجتماع غير الرسمي رعته الأمم المتحدة واستمر يومين في النمسا.

وهذه التصريحات يجب أن تكون معطوفة على تصريحات أخرى أطلقها روس خلال الجولة التي قام بها في المنطقة عندما قال: إنه متفائل بقرب التوصل إلى بدء محادثات رسمية. كذلك أعرب الرئيس الأميركي باراك أوباما عن أمله في أن يتمكن روس من تحقيق حوار بناء لتسوية النزاع القائم بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ عام 1975.

وأكد أوباما أن المفاوضات التي تجرى تحت إشراف الأمم المتحدة هي الإطار الملائم الذي من شأنه أن يفضي إلى حل يحظى بقبول الجانبين. وهذه التصريحات تعنى أمرين الأول أن هناك اهتماما على أعلى مستوى في الولايات المتحدة بمسألة الصحراء، والثاني هو أن الرئيس الأميركي لا يفكر في أن يكون الحل من خارج أطار خطة الأمم المتحدة.

وهذا الأمر ينفى التوقعات التي خرجت بعد تعيين مبعوث خاص للسكرتير العام للأمم المتحدة أميركي الجنسية والتي رأت انه الولايات المتحدة سوف تسحب المسألة الصحراوية من الأمم المتحدة وتتولى هي الأشراف على البحث عن تسوية لها. كذلك سادت توقعات أخرى في عهد الولاية الأميركية الجمهورية السابقة رأت أن الرئيس بوش يدعم طرف هو المغرب على حساب البوليساريو وهو ما جعل المغرب تتشدد في رؤيتها الخاصة بالحل القائم على الحكم الذاتي.

وكل هذه التطورات تؤكد أن تحريكا ما فقط حدث على صعيد المسالة الصحراوية، ولكن عملية التوصل إلى تسوية مازالت بعيدة المنال بالنظر إلى الفجوة الواسعة في مواقف الأطراف المتفاوضة، من جهة، ولعدم توفر المناخ الاقليمى والدولي الذي يساعد على التوصل إلى هذه التسوية، من جهة ثانية. ولعل كريستوفر روس يعي هذا الأمر جيدا، حيث لم تقتصر اتصالاته على الطرفين المتفاوضين، بل شملت الأطراف الإقليمية المعنية بالمسألة الصحراوية، مثل كل من الجزائر وأسبانيا.

فالملاحظ انه على غير عادة الموفدين الدوليين الذين كلفوا بإنهاء النزاع في الصحراء الغربية فإن كريستوفر روس كسر القاعدة هذه المرة وبدأ زيارته الأخيرة للمنطقة بالعاصمة الجزائرية حيث التقى بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة قبل أن يتوجه إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف،كذلك زار المبعوث الدولي موريتانيا ذات الصلة بتطورات المسالة، وأنهى جولته بزيارة اسبانيا حيث التقى بوزير الخارجية الاسباني ميغيل انخيل موراتينوس وبحث معه مستقبل الأوضاع في الصحراء الغربية. وأكد الوزير الاسباني أن إيجاد حل تفاوضي حول الصحراء في إطار الأمم المتحدة، يشكل الطريق الذي ينبغي أن تركز عليه مجهودات المجموعة الدولية.

وجاء في بيان لوزارة الشؤون الخارجية الأسبانية أن وزير الخارجية الأسباني جدد، خلال اللقاء دعم بلاده من أجل إيجاد حل سياسي عادل ودائم ومقبول حول قضية الصحراء من قبل الأطراف المعنية، في إطار قرارات مجلس الأمن بالأمم المتحدة.كما عبر موراتينوس عن دعم أسبانيا لمهمة المبعوث الشخصي للامين العام للأمم المتحدة للصحراء، مشيدا بالدور الفعال الذي يقوم به روس منذ تعيينه في كانون الثاني الماضي في هذا المنصب.

وهذه التصريحات على الرغم من روتينيتها، تؤكد أن اسبانيا تبحث هي الأخرى عن الحل في إطار خطة الأمم المتحدة، ولهذا الأمر أهميته بعد التحولات التي حدثت على الموقف الاسباني خلال حكم اليمين لأسبانيا، حيث اقترب الموقف الاسباني إلى حد كبير من الموقف الصحراوي الأمر الذي سبب أزمة بين المغرب وأسبانيا. والتحريك الذي حدث بشأن المسألة الصحراوية، يمكن التعامل معه باعتباره تهيئة المناخ لحل ما، ولا يمكن اعتباره بمثابة اختراق فيها، فالوقت مازال طويلا من اجل حدوث هذا الاختراق، وجولات التفاوض لم تزل في بدايتها، ويمكن الحديث عن هذا الاختراق من عدمه، بعد الإعلان عن موعد استئناف مفاوضات مانهاست، وفى ضوء ما ستسفر عنه أول جولة قادمة وليس قبل ذلك.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com