شغلت مسألة النووي الإيراني محور الاهتمام أثناء زيارة رئيس إسرائيل شيمون بيريز لروسيا الأيام الماضية، ورغم أن منصب رئيس إسرائيل يعتبر منصبا فخريا أكثر منه تنفيذيا، حيث السلطة كلها بيد الحكومة، إلا أن شخصا مثل شيمون بيريز لا يمكن التعامل معه على أنه مجرد شخصية فخرية، حيث يعتبر بيريز من أهم الشخصيات السياسية في إسرائيل إن لم يكن أهمها، فقد شغل العديد من الوزارات وترأس الحكومة الإسرائيلية لسنوات طويلة، كما أنه العقل المدبر للبرنامج النووي الإسرائيلي الغامض، ولهذا فإن الحوار مع بيريز لا يقل أهمية عن الحوار مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل ربما يفوقه أهمية، لأن رئيس الحكومة الإسرائيلية يذهب في الانتخابات ويأتي غيره أما بيريز فباق دائما في دائرة الضوء وفي دوائر صنع القرار في إسرائيل.
تأتي زيارة بيريز لروسيا بعد نحو شهرين من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان، وكلتا الزيارتين تعكسان اهتماما متزايدا من جانب إسرائيل بروسيا، خاصة في ظل التوتر الواضح في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، والذي يبدو معه أن إسرائيل بدأت تعيد حساباتها على الساحة الدولية، وهي بالقطع لن تستغني عن واشنطن، ولن تستبدلها بموسكو، لكنها تستطيع التلويح بأوراق ضغط هامة في وجه واشنطن.
لقد بدا من زيارة الرئيس الإسرائيلي لموسكو أن إسرائيل لديها رغبة في تفعيل الدور الروسي في منطقة الشرق الوسط، هذه الرغبة التي كانت منعدمة ومرفوضة في تل أبيب من قبل، لكن على ما يبدو أنها ضرورية الآن، ليس فقط من أجل الضغط على واشنطن، ولكن أيضا لأن روسيا لها أهمية وفاعلية كبيرة في المنطقة بحكم علاقاتها بإيران، باعتبار أن موسكو هي الحليف الأول وربما الوحيد لإيران الذي يمدها بالسلاح الحديث ويتولى تنفيذ برنامجها النووي، كما أن لروسيا علاقات قوية ومؤثرة مع سوريا، وعن طريق دمشق وطهران يتم تمويل ودعم المقاومة في لبنان وفلسطين بالسلاح الروسي.
إسرائيل تدخل على الخط في العلاقة الروسية الإيرانية في محاولة مستمرة لإقناع موسكو بعدم دعم إيران بالسلاح، وقد عبر الرئيس الإسرائيلي بيريز عن أمله في عدم حصول إيران على منظومات الدفاع الجوي الروسية «س-300». وأشار بيريز في مقابلة مع الصحفيين إلى أن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف وعد بإعادة النظر في هذا الأمر بعد أن «قلت له أن هذا سيؤثر على ميزان القوى في منطقتنا».
لا يستبعد الرئيس الإسرائيلي تفجير الوضع في الشرق الأوسط، لكنه يثق بأن روسيا تستطيع الحيلولة دون حدوث هذا التطور. وصرح بيريز في ختام محادثاته مع الرئيس الروسي ميدفيديف قائلا : «أنا كلي أمل بأن روسيا ستبذل كل جهودها للحيلولة دون حدوث تفجيرات الوضع المحتملة في منطقتنا».
ويرى مراقبون أن زيارة بيريز تمثل بداية لانطلاق أركان السلطة الإسرائيلية نحو روسيا وعلى رأسهم رئيس الوزراء نتانياهو ووزير خارجيته السوفييتي الأصل ليبرمان الذي يبدي حماسا كبيرا لتأسيس علاقات قوية بين روسيا وإسرائيل، وصفها ليبرمان بالعلاقات الإستراتيجية، الأمر الذي أغضب الدوائر السياسية في واشنطن منه.
وحرص بيريز على أن يلفت نظر الرئيس الروسي إلى أن العلاقات بين إسرائيل وروسيا شهدت «تحسنا كبيرا» في الفترة الأخيرة. وأضاف بيريز: «ما من شك في أن روسيا تسعى إلى السلام ومستعدة للمساهمة في حل مشكلاتنا».
و تجب الإشارة هنا إلى أن التطور في العلاقات بين إسرائيل وروسيا يأتي في الوقت الذي لا يبدو فيه من العرب أصدقاء روسيا القدامى أي حماس لتفعيل الدور الروسي في الشرق الأوسط حيث مازال العرب يلقون بأوراقهم كلها على الطاولة الأميركية، وهذا في حد ذاته يعطي فرصة لإسرائيل لكي تصطاد، كما يقولون، في الماء العكر.
كاتب روسي