في روايته الملحمية الرائعة «جذور»، صور المبدع «أليكس هيلي» حجم اللوعة والانكسار والتيه النفسي الاجتماعي الذي يستشعره شاب فقد أثر أصله الأسري ولم يعد قادراً على التيقن سوى من أن والدته أفريقية وسوداء البشرة مثله.. أما والده فهو رجل ثري أبيض استعبدها مع كثيرات غيرها في شبابه.. لكن من هو وأين يكون؟.

بعد رحلة بحث مضنية وتحريات وضغوط من الابن تشير الأم إلى الوالد وتعرف به.. فيذهب إليه الشاب الحائر متردداً متوجساً ليصارحه بما باحت به والدته. وعندها يرد الأبيض بوقاحة وبرود بأن له أبناء منثورين علي طول الساحل الغربي للولايات المتحدة لكنه لا يعرف أحدا منهم!. وبالطبع، يفهم الابن بأنه يقع في زمرة هؤلاء الذين لا يعرفهم الأب ولا يريد أن يعترف بهم، بعد أن أنجبهم في جولاته الشهوانية بين الأفريقيات المستجلبات من القارة السمراء..

هذا المشهد الميلودرامي، الذي يفترض حدوثه قبل أكثر من ثلاثة قرون، لن يتكرر البتة في أيامنا هذه ولا في المستقبل. اختبارات الحمض النووي وخرائطه سوف تمكن ملايين الأميركيين المنحدرين من أصلاب أفريقية من تتبع أصولهم إلى ما هو أقدم من سابع جد.

ومنذ أن اكتشفت هذه الوسيلة العلمية، التي يقال إنها لا تخطيء، انتعشت آمال أحفاد «كونتا كينتي» بالتغلب علي الانفصال الذي فرض عليهم قسراً عن بلادهم الأصلية. وبهذا الخصوص، تقول شركة «أفريكان إنسيستري»، التي تضطلع منذ تأسيسها عام 2003 بأداء خدمة رسم الخرائط الجينية للأميركيين الأفارقة، أنها أجرت حتى يوليه الماضي 15 ألف اختبارا «ولأن الجينات الخاصة بالنسب من جهة الأم تمتد لجميع الإناث في العائلة الواحدة، فإنها تقدر أن مئة ألف أميركي باتوا يعرفون الآن جذورهم الأفريقية..».

يتوقع علماء اجتماع وانثروبولوجيون أميركيون أن تضطرد عمليات الاستعانة بالخرائط الجينية لدي مواطنيهم من السود والملونين.. وأنه قد لا يمر وقت طويل حتى يهتدي الملايين من هؤلاء إلى مساقط رؤوس أجدادهم ومواطنهم الأولى، التي سيقوا منها مصفدين عبر المحيطين الهادي والأطلسي إلى سواحل الأميركتين.

على ضفاف هذه الظاهرة، تثور أسئلة بالغة الدلالة لجهة التحولات الاجتماعية والنفسية وربما السياسة،التي قد تطرأ على المجتمع الأميركي من الداخل وهو مجتمع استيطاني من حيث الأصل والمنشأ.

وربما كان من المشروع أيضاً أن يتداعي الأمر إلى إثارة تساؤلات تتصل بنمط العلاقة بين شريحة واسعة من هذا المجتمع ودول القارة الأفريقية ومجتمعاتها،وقد نقول قبائلها، المحلية. وكان من اللافت أن تمثل زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى غانا في يوليه الماضي، بالنسبة لأفارقة كثيرين، نوع من العودة للوطن الأم!.

مثل هذا الإحساس أو الهاجس لم يخامر أحداً من الناس بين يدي زيارات أحد من رؤساء الولايات المتحدة السابقين للقارة الأفريقية.

المتوقع أن يؤدي التعرف على المواطن الأولى للمهتمين بذلك إلى شيء من الاعتزاز والإرضاء أو الإشباع النفسي والاجتماعي.. إذ لن يشار بعد ذلك إلى هؤلاء على أنهم من ذوي أصول أفريقية بشكل جماعي لمجرد أن بشرتهم سوداء وتعلوهم ملامح الأفارقة.

بل سيصبح لكل واحد منهم، أو لكل أسرة أو جماعة أكبر، أصلاً وفصلاً على نحو أكثر تحديداً ودقة جغرافياً وإثنياً.. سيكون تحديد الهوية والانتماء الأول طبقاً لاسم الدولة والمدينة والقبيلة. وربما تواصل البعض مع أقارب لهم بالدم.. وقد يكون لتطور كهذا انعكاسات وردود أفعال قوية لجهة الهوية ومشاعر الانتماء والولاء والانحياز على الصعيدين الداخلي والخارجي.

تقول فيرونيكا هنري إنها منذ أن علمت عام 2007 بأن نسب والدتها يرجع إلى منطقة ميدي في سيراليون، انقلبت حياتها رأساً علي عقب. أما ستيفاني سميث، التي اكتشفت بأن أصولها من سيراليون، فتشعر بأن «الفجوة بينها ـ بصفتها أميركية- وبين الأفارقة عموماً قد بدأت تتلاشي..».

وبالتوازي مع هذه النماذج التي أسعدتها أخبار الحمض النووي، ثمة من أبدوا قلقاً عميقاً بما يمكن أن تحمله لهم هذه الأخبار عن شجرة الأصل والنسب. وفي تقديرنا أن الذين أصيبوا بتوترات بالغة عند استقبالهم لنتائج الاختبارات التي خضعوا لها، هم الأكثر صدقية واستشعاراً لخطورة هذه النتائج على حيواتهم وسيرهم الذاتية.

نود القول بكلمات أخرى بأن اكتشاف الجذور الإثنية واللقاء مع التاريخ والجغرافيا قد لا يكون مفيداً في حالات بعينها. فقد يفتح هذا الاكتشاف جروحاً غائرة بعد أن التأمت، أو يثير حساسيات لجهة الانتماء، أو يدفع باتجاه إحياء ثئور طواها الزمن أو كاد، ضد من فرقوا شمل أقوام وساموهم سوء العذاب والاستعباد طويلاً..

ندرك أن البحث عن الجذور كان أمراً شاقاً مضنياً للجماعة الأميركية الأفريقية. وأغلب الظن أن العثور على هذه الجذور لن يكون غاية المطاف وشاطئ الاطمئنان. ولو قُدر للكاتب اليكس هيلي أن يستأنف روايته في عالم ما بعد الحمض النووي، لا نتج مشاهد ولوحات فنية تجدد اعترافنا به كواحد من كبار المبدعين وأعمقهم إنسانية.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com