هل نستطيع أن نتحدث عن حرية تعبير أو ديمقراطية أو تحرر أو حتى حرية عامة في بلد تطيح به التفجيرات في كل يوم؟
نموذجان جيدان لمحاولة تغيير نظام الحكم في العالم باستخدام القوة الخارجية: أفغانستان والعراق.
فأفغانستان التي وقعت في شرك تضارب المصالح الدولية، كانت تعيش في أمن وأمان حتى أصبحت ميدان الصدام بين روسيا وأميركا، لأنها بكل بساطة تقع في محور استراتيجي هام جدا في منتصف الطريق بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
وبالتالي فإن الصدام الذي شهدناه في القرن الماضي بين الدولتين العظميين ليس في نهاية المطاف إلا حلقة واحدة في سلسلة صدامات عدة لاحتواء هذه البقعة من الشرق الأوسط على مر التاريخ.
والمؤسف له أن الذي دفع ثمن هذه الصدامات وخرج خاسرا هو الشعب الأفغاني، بينما انزوت الدول الكبرى الاستعمارية المتحاربة عن الساحة بعد أن تركتها للمنتصر، وتحول بعدها الصراع منذ السبعينات من القرن الماضي إلى حروب أهلية، توجت بالغزو الروسي الذي تبعه الغزو الأميركي الأكبر في تاريخ هذه البلد التي دكتها بالأرض دكا مستخدمة شعار (محاربة الإرهاب) المتمثلة في طالبان والقاعدة التي تدعمها.
بالطبع لم تكن الأوضاع في تلك البلد سارة جدا لا قبل ولا بعد، وكان الشعب يعاني ومازال من الأمية (70%) والفقر والتخلف والفوضى وانعدام البنية التحتية إضافة إلى استمرار المواجهات مع مجموعات مدربة على أحسن وجه ممن تبقى من فلول طالبان، التي عادت بعنف أشد مما كانت عليه.
وما ينطبق على أفغانستان ينطبق تماما على العراق بالتفصيل الممل. خاصة وأن الحربين اللتين شنتها القوة العسكرية الأميركية ضد كل منهما تشابهتا وتزامنتا في الوقت والقوة والتخطيط وكذلك في الرئيس الذي وقع قرار شنها بل حتى في نفس الهدف الذي يتلخص في إبعاد نفس الخصم عنهما: الدب الروسي.
الغريب في الأمر أن كابول وبغداد تتحدثان اليوم عن التحرر والاستقلال والديمقراطية والانتخابات والبرلمان والسلطات التشريعية والتنفيذية، وأشبه ما يكون بتعليمات مكتوبة واحدة صادرة من رئاسة أجنبية عليا إلى جهتين لاقتا المصير نفسه على يد نفس مخطط الحرب.
وعندما نغوص في واقع الدولتين لا نجد سوى استمرار العنف اليومي الذي يذهب ضحاياه في أكثر الأحيان المدنيون الأبرياء.
ما هي قيمة الحرية والديمقراطية إذا كان الناخب يذهب إلى صناديق الاقتراع وهو يموت هلعا ورعبا ويقرأ الفاتحة على نفسه قبل خروجه من باب بيته. صحيح أن للحرية ثمنا، لكن ما هو الثمن هذا عندما تخترع السلطات المنظمة والمسؤولة عن الانتخابات في أفغانستان حبرا يزول بسرعة عن إصبع الناخب.
وأية ديمقراطية هذه المكلفة والمفروضة فرضا على شعب لم يجد بعد عشر سنوات من الحرب المستمرة ما يأكله وما يلبسه وما يسكنه ولا يستطيع الخروج (بحرية وأمن) من بيته لشراء رغيف خبز؟.
بالطبع نحن فرحون لمبدأ فرض الديمقراطية، ولكننا لا نعرف نصنفها؟. قبل أيام استقبل العراقيون يوما داميا لا مثيل له منذ بداية الغزو حتى طال رموز الدولة والنظام، بعد أن توقع الجميع أن المقاومة قد كسرت، وأن راية الحرية قد رفعت، وأن الشعب العراقي بات ينعم بالسلام والأمن، ويبدو من هذه التفجيرات الأخيرة أن المقاومة قد تسربت إلى نخاع (النظام)!
السؤال هو، هل نستطيع أن نطلق كلمة حرية وديمقراطية في بلد ما زالت مكانك سر في هذه الأجواء والظروف المعتمة وانعدام الأمن؟ (اقرأ تصريحات الجنرالين الأميركيين فرانك هيلميك وشارل جاكوبي). لا شك أن هناك فئات تخطط لإفشال هذه المحاولة، ولا يجب مساومتها، غير أنه يبدو أن هذه الفئات المقاتلة والمقاومة تمثل نسبة يعتد بها على كلا الجبهتين في أفغانستان والعراق وقد دوختا أميركا، ولا يمكن عدم أخذها بعين الاعتبار.
هاتان الدولتان إذن، تمثلان نموذجين يجب الاعتبار بهما. فكثير من الدول وخاصة في آسيا وأفريقيا لم تساعد الدول التي استعمرتها على بلوغها تدريجيا مرحلة تطبيق نظام الشورى، بل دعمت أنظمتها غير الديمقراطية للبقاء في مقاعدها لخدمة مصالحها قبل مصالح شعوبها ومن ثم تخلصت منها عند اللزوم. ثم عادت بدعوى تحريرها بقلب النظام الذي أوجدته رأسا على عقب. والنتيجة أن الفوضى قامت ولم تقعد، والسبب هو أن هذه الديمقراطية ولأول مرة في تاريخ البشرية، جاءت من الخارج، ولم تقم بناء على رغبة ذاتية.
وربما كانت دعوى بعض المحللين أن الانتخابات في كلتا البلدين غير شرعية، لأنها تمت بينما هاتان البلدان ما مازالتا تحت الاحتلال والوصاية الخارجية.... قد تكون صحيحة...
إن مثل هذه الديمقراطيات الشكلية لا تكون ذو جدوى، خاصة عندما لا تكون هذه الشعوب مهيأة مسبقا لمثل هذا التغيير المفاجئ والحاد، كما حصل في أفغانستان والعراق وكثير من دول آسيا وأفريقيا.
إنها جراحة مصيرية من دون تخدير لموضع الألم ومن دون تشخيص مسبق.
جامعة الإمارات