الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية كشفت عيوب النموذج الاقتصادي والاجتماعي، الذي تبلور في القرن العشرين والذي عبّر عنه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بقوله، إن الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم جاذبية لأنها تتيح للفرد حرية مطلقة في مجال الاستهلاك.

نمط الحياة الأميركي سلب الباب البشرية فاستشرت حمى الاستهلاك في جميع أنحاء العالم وأصبح الإنسان يعبد الذهب والمال إلى جانب الله.

لكن هذا النمط من الاستهلاك المنفلت من كل ضوابط يستنزف الموارد الطبيعية بشكل جنوني، الأمر الذي دفع بالعديد من المصلحين لرفع الصوت بضرورة التروي والتعقل. والدعوة لجعل الرأسمالية أكثر أخلاقية وأكثر رحمة.

لكن هذه الدعوات سوف تظل صرخة في الفضاء، ما لم تتم محاسبة كافة الذين تسببوا في الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة، والذين مازالوا للأسف يعطون النصائح والاستشارات عبر شاشات التلفزيون من أمثال بوب ميدوف وآلان غرينسبان.

من يظنّ أنّ التغيير سوف يحدث بقدوم باراك أوباما للحكم، فهو واهم. ذلك أن أوباما مجرد واجهة تتخفى وراءها الرأسمالية. تلك الرأسمالية التي آثرت أن تغيّر واجهتها من رئيس أبيض غير طويل ومتبلد الأحاسيس، إلى رئيس أسود طويل وذكي. والآن نرى الكثيرين يلتقطون صورا تذكارية إلى جانب صورة كرتونية لأوباما، علما بأن أوباما الحقيقي لا يختلف في شيء عن أوباما الكرتوني، فهو لا يملك أن يتخذ أي قرار سياسي أو اقتصادي من تلقاء نفسه أو بإرادته.

بل يخضع في ذلك مثل غيره من كافة رؤساء الولايات المتحدة السابقين لما تمليه عليه مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، هذه المراكز غير الحكومية والتي تخدم مصالح الرأسمالية العالمية ولا تعير اهتماما للشعوب، بما فيها الشعب الأميركي نفسه، وقد كان الرئيس بوش الابن، ورغم الصورة النمطية التي تظهره بمظهر راعي البقر التكساسي البسيط، إلا أنه في الواقع ممثل حقيقي لمصالح الرأسمالية العالمية.

الرئيس أوباما يتميز بأنه صريح بعض الشيء بخصوص الأزمة، فهو حتى الآن لم يدل بأي تصريح متفاءل حول إمكانية مواجهة الأزمة أو وضع حلول جذرية لها، بل اعترف أكثر من مرة بأن هذه الأزمة هي الأخطر والأكبر في تاريخ الولايات المتحدة والعالم كله، واعترف أيضا بأن خروج الولايات المتحدة من هذه الأزمة إلى ما كانت عليه قبلها أمر مستحيل تماما، والأهم في تصريحات أوباما،على عكس غيره من بعض القادة في بعض الدول، اعترافه بأن الأزمة مازالت في بدايتها وأن القادم أسوأ بكثير مما سبق.

و قد حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من الإفراط في التفاؤل ومن التكهنات المتعجلة بشأن انتهاء الأزمة المالية في بلادها. ورفضت المستشارة في حديث لمجلة فوكوس تحديد أي أرقام لمعدلات النمو في ألمانيا. وأكدت ميركل أن الأزمة الاقتصادية العالمية ليست فقط أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ ألمانيا عبر 60 عاما وإنما أيضا أول تجربة مشتركة في ألمانيا بعد الوحدة.

وقالت ان الأمر يتعلق في الوقت الحالي بتوقيت ومدى قدرة القطاعات الصناعية والتجارية المختلفة على الخروج من الأزمة. وأردفت قائلة: من الأمور الهامة أن نخلق الظروف المناسبة لدفع عجلة الاقتصاد للأمام لأن الانتعاش سيوفر فرص العمل، إلا أنها اعترفت بصعوبة توقع مسار النمو في الدول الاقتصادية الكبيرة وتأثير ذلك على سوق العمل.

في روسيا التي يعتبرها بعض الخبراء في وضع أفضل من غيرها في الأزمة نظرا لاحتفاظها بمخزون مالي كبير من العملات الأجنبية، ونظرا لعودة أسعار النفط والغاز للارتفاع باعتبارها ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط وأولى دول العالم في الغاز، رغم هذا فإن الحكومة الروسية تعترف بأن تأثيرات الأزمة على الاقتصاد الروسي قوية للغاية، وأن الأزمة تسببت في زيادة عدد العاطلين عن العمل الذين وصلوا إلى ثمانية ملايين حسب تصريحات الحكومة.

التصريحات المتفائلة للبعض لا تنفع في شيء، بل ربما تضر أكثر لأنها قد تدفع لإهمال الاستعداد للأسوأ القادم في الأزمة.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru