الأحداث، والاشتباكات العنيفة التي وقعت يوم الجمعة الرابع عشر من أغسطس الجاري في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، أثارت بعض الأسئلة المنسية وبعض التكهنات والاتهامات بشأن مدى تأثير سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، باتجاه نشوء جماعات سلفية جهادية، أو جماعات تتبع تنظيم «القاعدة».
لم تتوقف إسرائيل عن الإدلاء بتصريحات وأحياناً تقديم معلومات عن تسرب عدد من غير الفلسطينيين تهريباً إلى قطاع غزة، وذلك في إطار الحديث عن وجود «القاعدة» أو جماعات قريبة منها. في آخر هذه المعلومات تحدثت مصادر إسرائيلية عن دخول نحو خمس عشرة شخصية من هذا النوع فيما لم يلمس سكان قطاع غزة، لهؤلاء وجوداً.
سؤال وجود القاعدة في قطاع غزة، سؤال قديم، لكنه رغم قدمه لم يجد له جواباً يبرر لإسرائيل مثل هذه الاتهامات التي تسوقها في إطار تحشيد الذرائع، لمواصلة حصار القطاع وارتكاب العدوان بحق سكانه.
وفي الحقيقة فإن الاشتباكات التي وقعت في رفح، بين جماعة «جند أنصار الله» وأجهزة أمن الحكومة المقالة، وأدت إلى سقوط ما يقرب من ثلاثين ضحية بالإضافة إلى نحو مئة وخمسين جريحاً، تلك الاشتباكات شكلت فرصة لتجديد الاتهامات. الجماعة المذكورة لم تكن معروفة بهذا الاسم من قبل أن يعلن عنه زعيمها الشيخ عبد اللطيف موسى، الذي زاد الطين بلة، بإعلانه تكفير حركة حماس، وقيام الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس انطلاقاً من رفح.
الشيخ موسى، الذي قتل في الاشتباكات بعد ساعات قليلة من إعلانه، في خطبة يوم الجمعة ومن على منبر مسجد ابن تيمية الذي اتخذه مقراً لنشر دعوته، كان قد خضع لتأثير الأجواء المشحونة التي سبقت خطبته، ولذلك شوهد المقاتلون من أنصاره داخل المسجد، وحوله، تحسباً مما قد تقوم به حركة حماس.
وبالرغم من أن موسى شدد على أن جماعته ستفرض الإمارة ولو على الجثث، إلا أن المحللين يستبعدون أن يكون إعلان الإمارة مدروساً مسبقاً، ومقرراً، وإنها أخضعت للفحص، وردود الفعل المتوقعة.
الاشتباكات الدامية، شكلت أيضاً فرصةً لتبادل الاتهامات بين حركتي فتح وحماس، اللتين تصاعد التوتر بينهما على خلفية منع حركة حماس نحو أربعمئة من أعضاء مؤتمر فتح، من مغادرة القطاع إلى بيت لحم لحضور المؤتمر السادس للحركة.
حماس قالت إن جماعة جند أنصار الله، تلقت دعماً من فلول الأجهزة الأمنية البائدة، فيما اعتبرت فتح أن الاشتباكات هي نتاج الانقلاب الذي قامت به حماس في قطاع غزة. وبغض النظر عن تلك الاتهامات التي يوظفها كل طرف ضد الآخر، فإن من غير المنطقي ربط الجماعة التي تتخذ موقفاً تفكيرياً من حركة حماس الإسلامية، بحركة فتح التي سيكون الموقف منها من قبل الجماعة المذكورة أكثر تطرفاً وجذريةً.
هذا يعني أن الاشتباك الذي وقع، لا يشكل تغييراً في أسلوب تعاطي حركتي فتح وحماس مع بعضها البعض، وحيث يطفو خطاب الحوار والسعي نحو التوافق. وأيضاً فإن الاتهامات التي ساقتها حركة فتح بالتحذير من تطور الوضع في قطاع غزة إلى صومال أو أفغانستان أخرى، إنما هي اتهامات تجافي الواقع ومن غير الصحيح أن يتم الاستناد إلى مثل هذه الاستنتاجات للبناء عليها.
في هذا الإطار فإن حركة حماس استخدمت عنفاً مفرطاً، أولاً لتأكيد سيطرتها على قطاع غزة، وبأنها لا تسمح من موقعها المعتدل لأية جماعة متطرفة بتجاوز السقف السياسي والأمني الذي تحدده الحركة، وباعتبار ذلك جزءاً من رسالة موجهة لأطراف عديدة. أما الجزء الآخر من الرسالة فإنه موجه للخارج.
حيث تؤكد حماس أنها طرف قادر على حفظ الأمن، وأيضاً على تنفيذ أية تعهدات أو التزامات توافق عليها مع أية أطراف أخرى، وقد كانت الرسائل بليغة ووصلت إلى حيث ينبغي أن تصل.
على أن تداعيات الحدث لم تقف عند حدود إعلان داخلية الحكومة المقالة بأن العملية انتهت قبل أن تمر على وقوعها أربع وعشرون ساعة، إذ تابعت الأجهزة الأمنية ملاحقة واعتقال عناصر المجموعة، التي توعدت في بيان على الشبكة العنكبوتية بأنها سترد بقوة، وستثأر لدماء زعيمها ومقاتليها.
جماعة جند أنصار الله لم تكن امتداداً للقاعدة وذلك بحسب إعلاناتها، ولكنها قد تلتقي في أفكار وتوجهات القاعدة، الأمر الذي يجعلنا نتوقع ردود فعل سلبية من قبل جماعات سلفية جهادية خارج فلسطين، فضلاً عما يمكن أن يصدر عن تنظيم القاعدة من القيام بعمليات انتقامية، فهذه مسألة في علم الغيب طالما أن الناس لم تكن تلمس لها وجوداً وانتشاراً علنياً كبيراً.
وفي الوقت ذاته فإن الأجهزة الأمنية للحكومة المقالة ولحركة حماس، تمتلك القدرة على الرقابة والملاحقة، والكشف عن الجريمة، إلى حد أنها قادرة على منع وقوع مثل هذه العمليات الثأرية، وإن وقعت واحدة، فإن من غير المتوقع أن تحقق هذه العمليات تواصلاً.
وفي الواقع فإنه لم يكن ينقص أهل قطاع غزة المحاصرون، الفقراء، ضحايا العدوان، والصراع والانقسام الداخلي أن يدفعوا مرةً أخرى أو مرات أخرى ثمن المزيد من التطرف السياسي والاجتماعي والإيديولوجي.
على أن واحدة من النتائج الهامة لما شهدته مدينة رفح، وما نشأ أو يمكن أن ينشأ من ردود فعل، إنما تركت بصماتها على مناخات الحوار الذي يفترض حسب إعلانات سابقة أن يلتئم في الخامس والعشرين من هذا الشهر، لتوقيع اتفاق بين حركتي فتح وحماس.
الأجواء ملبدة، وأزمة الثقة عميقة بين الطرفين، إلى حد أن من المشكوك فيه أن تسفر جولة الوفد الأمني المصري إلى رام الله ودمشق الأسبوع الماضي، عن اتفاق أو حتى عن تقريب لوجهات النظر بشأن القضايا الخلافية العالقة. وسيتضح للقاهرة وسواها، أن الفلسطينيين ما زالوا بعيدين عن امتلاك إرادة إنهاء الانقسام، وأنهم بحاجة إلى تدخل أقوى وأكثر تأثيراً من قبل الأشقاء العرب.
كاتب فلسطيني