لفت نظري وأنا أتابع ـ مصادفة ـ واحدا من البرامج «الكثيرة» التي تبثها إحدى القنوات الفضائية «الأكثر» أن المذيعة «الطفلة» تضع على وجهها البريء ـ أصلا ـ قناعا من الألوان التي حولتها إلى سيدة في الثلاثينات من العمر، لا فرق بينهما إلا في الصوت، وقد تتفوق هذه الطفلة على غيرها بما حباها الله من أدوات الحديث والحوار مما لا تملكه بعض المذيعات المخضرمات المفروضات علينا في عدد من القنوات الفضائية الكبرى.
كما تتفوق هذه الطفلة بمهارتها اللافتة للأنظار في إدارة دفة الحديث، والانتقال بضيفها من موضوع لآخر، وأعجبني فيها كثيرًا حسن تخلصها من بعض المواقف التي يشعر المشاهد أنها لم تفهم بالضبط ما قاله ضيفها (الكبير سنًّا) فتقوم باستعمال محفوظها من العبارات المجامِلة التي تمكنها من التواصل مع الضيف، والانتقال به من هذا الموضوع لموضوع آخر، دون أن يكون ذلك بطريقة مفاجئة أو فظة.
إنها مهارة تنم عن موهبة أصيلة تكشّفت لدى بنت من بناتنا، ومثلها كثيرات لا شك ممن لم تُسلَّط عليهن الأضواء حتى الآن، ومن الضروري أن نكتشف هذه المواهب وننميها وأن نستثمرها فيما فيه الخير العميم لهذه الطفلة وغيرها، وللمجتمع كله. لكن الملاحظة الأساسية في الأمر كله تبقى قائمة، وهي ما بدأت به هذه السطور، لقد قدمت الطفلة الصغيرة نفسها بلسانها الذي كشف بوضوح عن ذكائها، وتحدثت فأفصحت وأبانت، وناقشت فأحسنت وأجادت.
وكانت لطيفة ظريفة حلوة اللسان، سريعة البديهة، كل هذا الجمال الداخلي لم يكن في حاجة إلى تزيين خارجي مبالغ فيه كي يظهر، لم تكن الطفلة المتحدثة اللبقة في حاجة إلى وساطة الألوان والأصباغ كي تكشف عن نفسها، ولم تكن هذه الطفلة في حاجة لأن تقول لنا انظروا إلى وجهي المصبوغ بمساحيق النساء الكبار ـ اللواتي غادرت ملامح الطفولة وجوههن ـ كي تُعجبوا بي، لأنها ستلفت الأنظار بعيدًا عن ذلك الوجه الذي لم يعد يشبه الطفولة في شيء من قريب أو بعيد.
كتبت كثيرا عن ضرورة التوفيق بين الجانبين الشكلي والمضموني في أمور كثيرة، أذكر منها ما كنت قد ذكرته عن اهتمام بعض المؤسسات بمبانيها وبديكوراتها الداخلية وتصاميمها الخارجية، وإهمالها لتدريب موظفيها وتنمية قدراتهم في مختلفة الصعد، ولكني لم أتخيل أن أعود لأكتب في هذا الموضوع وتكون مادة حديثي طفلة نستطيع أن نحصي عدد سنوات عمرها على أصابع الكفين، مع أن كل شيء ممكن الحدوث في هذا الزمن العجيب الذي نعيشه، وقد عانت الطفولة ما هو أكثر فظاظة من هذا الموقف الذي أتحدث عنه في هذه السطور، إلا أنني لا أملك إلا أن أستغرب في كل مرة، مع ارتفاع وانخفاض مؤشر هذا الاستغراب من مرة لأخرى.
لم تكن تلك الطفلة هي الطفلة الوحيدة في البرنامج، فقد كانت هناك أخريات أيضًا، لكنهن كنّ مشاركات بفقرات محددة ولم يكن نصيبهن من الكلام بقدر نصيبها ? وهي مقدمة البرنامج أساسًا ـ لذلك لم أستطع تبين مهاراتهن في الحديث كثيرًا، وإن كان يبدو إلى حد كبير أنها تتفوق عليهن بمراحل كثيرة، إلا أن الأمر المشترك بينهن جميعًا هو أنهن يضعن القدر نفسه من المساحيق الملونة والأصباغ المرسومة على وجوههن الغضة.
وقد سُرِّحت شعورهن بعناية شديدة، وكأنها شعور نساء متقدمات في السن متجهات إلى حفل زفاف أو تخرج أو.... ولسن مجرد فتيات صغيرات مشاركات في برنامج ?عادي ـ تبثه إحدى القنوات الفضائية التي يبدو أنها تشارك غيرها في الأهداف التجارية وإن كانت تحاول أن تقدم برامج فيها مسحة ثقافية، فثقافة هذه الأيام ملونة، ولا تقبل اللونين ?الأبيض والأسود ـ حتى إن كانت تتعامل مع الطفولة الخالصة.
يكفي الطفولة أن تكون ملونة الفساتين وربطات الشعر، وأن تكون ملونة الضحكات والابتسامات، وليس من الضروري أيضا أن تكون ملونة الوجه، فهذه الألوان قد تشوّه وجه السيدة الكبيرة إن جاءت زائدة عن حدها، فما بالنا بها تحتل وجه الطفولة دون مبرر واضح أو مقبول!
بقيت أتساءل وأنا أتابع هذا البرنامج الذي لم يكن أبدًا ليلفت انتباهي لولا هذه الطفلة، ولولا تلك اللوحات الفنية المرسومة على وجهها ووجوه الأخريات، لماذا كل هذا؟ ألم تكن موهبة الطفلة الإعلامية ومَلَكَة الحديث والمحاورة التي تجيدها خير جواز سفر لها في وقت لم يعد يعرف فيه الكبار كيف يتحدثون وكيف يديرون دفة حديث لمدة دقائق، وقد قامت بذلك على أفضل وجه لمدة تتجاوز الساعة؟!
والأهم من ذلك هو الرسائل الضمنية الموجهة لهن ولغيرهن من الفتيات اللواتي يتابعن ذلك البرنامج أو غيره مما هو على شاكلته، وهذه الرسائل الضمنية أقوى تأثيرًا من الكلام المباشر، وكلها تصب لمصلحة الجمال الشكلي الخارجي المصنوع، وتؤكد أهميته، وتجعله في مرتبة متقدمة على أي شيء آخر غيره، ولم تعد الطفولة مستثناة من شيء.
لماذا نعزز في أبنائنا وبناتنا الجمال الشكلي؟ ولماذا أصبح التحول إلى هيئة مهرج هو أقصى أمنيات فتيات اليوم كي يظهرن في نظر أنفسهن ?فقط ـ في صورة الجميلات؟ ربما علي أن أحذف الـ (فقط) الأخيرة هذه،.. ربما لا يعجبني أنا شخصيًا هذا الجمال المصنوع، لكنه يعجب غيري، ولذلك يتم التركيز عليه بكثرة، إلا أنني على قناعة بأن هذه القشور لا بد أن تتطاير وتختفي، ويبقى الجوهر الذي يكشف القيمة الحقيقية للإنسان نفسه مهما كان جنسه، أو عمره، أو فكره أو غير ذلك. وكما قال شاعرنا ذات يوم:
ليس الجمال بأثواب تزيننا
إن الجمال جمال العلم والأدب
جامعة الامارات