أمن الدول الكبيرة في العالم عادة يمتد خارج حدودها ليشمل أراضي وحدود دول أخرى قريبة أو بعيدة عنها، وبالأولى يشمل الدول المحيطة بها، وهذا أمر متعارف عليه بين الدول، وهذا الأمر يبيح للدول الكبيرة أن تتخذ إجراءاتها لحماية أمنها القومي بالقدر الذي يسمح لها بالتدخل «لمنع أي خطر أو تهديد» لأمنها القومي، ولكن هذا الأمر له حدوده ومعاييره التي تحكمها القواعد والقوانين الدولية بحيث لا يتعارض مع أهم مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية.
الدول الكبيرة تمنح نفسها الحق في استخدام القوة والتدخل بالقوات المسلحة في أراضي دول أخرى ضد أي تهديد أو خطر يمس بشكل مباشر أمن وسلامة هذه الدول الكبيرة، ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية أفرطت كثيرا في استخدام هذا الحق، وهاجمت دول بعيدة عن حدودها بآلاف الكيلومترات بحجة وجود خطر هناك يمس أمنها القومي، والأمثلة على ذلك كثيرة في فيتنام وكمبوديا وكوريا وصولا للعراق وأفغانستان، ولم تستطع في كل حروبها وتدخلاتها العسكرية أن تقنع العالم بمصداقية حقها في هذا التدخل وشرعيته.
روسيا دولة كبيرة سياسيا وجغرافيا، وهي أكثر دول العالم حدودا مع دول أخرى، الأمر الذي يشكل مخاطر كثيرة على أمنها القومي، ورغم هذا فهي ملتزمة بقواعد القانون الدولي، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي وروسيا المستقلة تتعرض لتهديدات كثيرة في أمنها من بعض الدول المجاورة التي تفتح حدودها للإرهابيين للدخول للأراضي الروسية وتنفيذ عملياتهم الإرهابية فيها، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي فتحت عدة دول مجاورة لروسيا أراضيها لاستضافة قواعد عسكرية أميركية في الوقت الذي قامت هذه الدول بطرد القواعد الروسية أو السعي لطردها.
وقد التزمت روسيا الصمت والهدوء دائما ولم تفكر في استخدام القوة العسكرية ضد أي دولة أخرى إلا في العام الماضي عندما هاجمت جورجيا أراضي جمهورية أوسيتيا الجنوبية المجاورة وقتلت أكثر من ألف من مواطنيها وأكثر من ستين عسكري روسي كانوا ضمن قوات حفظ الأمن على الحدود بين البلدين، الأمر الذي فرض على روسيا التدخل لحماية مواطنيها وشعب أوسيتيا الجنوبية الأعزل.
وتبينلموسكو مؤخرا أن هناك العديد من المؤامرات تحاك على حدودها داخل أراضي بعض الدول المجاورة، بعضها استعدادا لجر الجيش الروسي لحرب أخرى وبعضها الآخر كقواعد لإرهابيين يتسللون عبر الحدود لتنفيذ عمليات إرهابية داخل روسيا، كما هاجم قراصنة مجهولون سفينة روسية واختطفوها عند سواحل أوروبا الغربية، الأمر الذي دفع الكريملين لاتخاذ قرار غير مسبوق.
حيث أحال الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف إلى مجلس الدوما (النواب) مشروع قانون حول نظام استخدام القوات المسلحة الروسية خارج حدود روسيا.
وينص مشروع القانون على أن روسيا تستطيع، وفي ظل التزام بالمبادئ المتعارف عليها وقواعد القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، استخدام تشكيلات من قواتها المسلحة خارج الحدود الروسية لتنفيذ عدد من المهمات من بينها: صد أي اعتداء يقع على قوات مسلحة روسية تخدم خارج حدود روسيا، والتصدي لعدوان يقع على دولة أخرى، وحماية المواطنين الروس في الخارج، ومكافحة القرصنة وضمان أمن الملاحة.
ليس من المتصور بالطبع أن تهاجم روسيا أراضي أية دولة أخرى بدون مبررات واضحة ومقنعة للجميع، وأيضا بدون شرعية دولية، وهي ليست بحاجة لمثل هذا القانون الداخلي لتمنح نفسها الحق في الدفاع عن أمنها وأمن حلفائها الذين يعتمدون عليها، لكن موسكو قصدت من هذا القانون أن يعلم الآخرون ممن تسول لهم أنفسهم أفكار العداء لروسيا وإمكانية الإضرار بأمنها، أنها لن تتساهل ولن تسمح بذلك، وسترد عليه بالقوة، هذا هو التحذير، والعبرة لمن يعتبر.
كاتب روسي