أعلنت روسيا عن رفضها الانضمام إلى ميثاق الطاقة الأوروبي، وقامت الحكومة بإبلاغ كافة الأطراف والدول المعنية بالأمر. وتعتبر موسكو أن «ميثاق الطاقة» الأوروبي غير قادر على تسوية كل المشاكل في مجال الطاقة، لأنه لا يطبق بشكل كامل ويركز فقط على ضمان حقوق المستهلكين ولا يراعي حقوق المنتجين ومصالحهم، وتدعو الحكومة الروسية إلى إعداد اتفاقيات جديدة لضمان أمن الطاقة بدل الميثاق المذكور.
وكان الرئيس ميدفيدف قد أكد خلال قمة روسيا ـ الاتحاد الأوروبي الأخيرة على ضرورة العمل من أجل أن يتطور التعاون في مجال الطاقة بصورة حضارية، مشيرا إلى أن روسيا ستواصل بذل الجهود من أجل إنشاء أشكال قانونية للتعاون في هذا المجال، على أن تضمن هذه الأشكال القانونية مصالح كل الأطراف الثلاثة المؤثرة على التعاملات في أسواق الطاقة-المنتجون والمستهلكون ودول الترانزيت، معتبرا أن «ميثاق الطاقة» الأوروبي الحالي يعكس مصالح المستهلكين بالدرجة الأولى. وأضاف أن ملف الطاقة يجب أن يكون الجسر الذي يدعم التعاون الروسي ـ الأوروبي.
ولاشك إن هذا الملف يحمل أبعادا سياسية أكثر من الجانب الاقتصادي الذي يطغى على جوهره، باعتبار أنه سيلعب دورا مؤثرا وربما رئيسيا في تحديد سياسات الأطراف الثلاثة التي تحدث عنها الرئيس ميدفيدف، وهم «المنتج والمستهلك ودول الترانزيت».
وجاء إطلاق مشروع خط أنابيب ناباكو ليثير جدلا حول نوايا الاتحاد الأوروبي إزاء التعامل مع روسيا، واعتبره البعض محاولة لإقصاء روسيا من سوق نقل الطاقة، وربما خطوة نحو إزاحتها من أسواق الطاقة الأوروبية عبر إقامة صلات مباشرة بين أوروبا ودول وسط آسيا.
ومرة أخرى تراجعت الثقة بين الأطراف الثلاثة الذين تحدث الرئيس ميدفيدف عنهم، وسارعت روسيا لتوقيع اتفاقات جادة وهامة مع تركيا التي تشكل المحطة الأساسية للمشروعات الغربية الهادفة لإزاحة روسيا، من أهم هذه الاتفاقات اتفاق تشييد خط «التيار الأزرق ـ 2» المخصص لتصدير الغاز من خلال تركيا إلى إسرائيل ولبنان وسورية وقبرص، واتفاقية التعاون في مجال الغاز والتي تنص على موافقة تركيا على مد أنبوب «التيار الجنوبي» لنقل الغاز عبر المياه الإقليمية التركية في البحر الأسود، واتفاق على إنشاء فريق عمل روسي تركي مشترك لدراسة إمكانية مشاركة روسيا في بناء أنبوب «سمسون ـ جيهان لنقل النفط».
وكما دارت أحاديث حول استخدام روسيا للغاز كوسيلة ضغط للتأثير على السياسة الأوروبية، يبدو أن الأطراف قد تبادلت الأدوار، وعلى عكس المتوقع بدأت أوروبا هي التي تستخدم الطاقة كوسيلة للضغط على روسيا عبر إزاحتها من أسواق الطاقة الأوروبية، بهدف فرض حصار على نفوذها السياسي.
واتفاقات روسيا مع تركيا حول مد خطوط أنابيب لنقل الطاقة لا يمكن اعتبارها موجهة ضد مشروعات الغرب بتشييد شبكة أنابيب خارج الأراضي الروسية فحسب، وإنما هي بالدرجة الأولى محاولة للتخلص من الدول الوسيطة مثل أوكرانيا وجورجيا وغيرهما، أو دول الترانزيت التي تعيق أحيانا تصدير الغاز والنفط من روسيا إلى أوروبا.
ما يجعل هذه المشروعات تكتسب أهمية خاصة تحرر روسيا من ضغوط دول الترانزيت التي تسعى لحل أزماتها السياسية والاقتصادية على حساب روسيا. في نفس الوقت تدخل روسيا المنافسة في سوق الطاقة بشكل مباشر يحترم تقاليد وقوانين علاقات السوق الحر.
ويلعب الصراع السياسي بين الأطراف الثلاثة ـ المستهلك والمنتج ودول الترانزيت ؟ الأداة الأكثر فاعلية لتحسين حصة كل طرف، واذا كانت الحروب والصدامات المسلحة أحد الأساليب التي تؤثر على عائدات دول الترانزيت وطرق نقل الطاقة، وتفقدها أهميتها بالنسبة للمستهلكين والمنتجين على حد سواء. فإن الخلاف بين المجموعات المنتجة يؤثر أيضاً على خطط زيادة العائدات من تسويق الطاقة في الأسواق الأوروبية.
لذا يمكن القول إن الخلاف بين تركمانيا وأذربيجان الذي نشب حول استثمار حقول حوض بحر قزوين، لابد وأن ينعكس سلبا على مجموعة دول خط «ناباكو».
ما يعيدنا إلى أهمية الطرح الروسي الخاص الداعي لإيجاد ميثاق جديد وأشكال قانونية فعالة للتعاون في هذا المجال، على أن تضمن مصالح كل الأطراف الثلاثة المؤثرة على التعاملات في أسواق الطاقة.
خبيرة الطاقة الروسية