بتنصيب الرئيس محمد ولد عبد العزيز رئيساً لموريتانيا، يحق لنا التساؤل حول الوضع السياسي وهل سيحول تجاه الاستقرار أم أن ذلك سيكون مؤقتا فقط في ظل معطيات متعددة تتعلق بالحالة الموريتانية في العموم .

وهناك خطوط عامة لعدم الاستقرار في موريتانيا، على رأسه الانقلابات العسكرية المتتالية التي تشهدها وخطر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إضافة إلى علاقاتها بدول الجوار الجغرافي التي تتغير تحالفاتها مع تغير كل رئيس ومع حدوث كل انقلاب عسكري .

وفيما يتعلق ظاهرة الانقلابات العسكرية يكاد يتفق معظم المراقبين على أن وجود الرئيس ولد عبد العزيز فى سدة الرئاسة يمكن أن يؤدي إلى تراجع فرص تكرار الانقلابات العسكرية، ذلك أنه كان يقف وراء العديد من الانقلابات التي شهدتها موريتانيا، فضلا عن أنه ساهم بدور ما في إفشال انقلابات أخرى .

وتشير السيرة الذاتية له إلى هذا الأمر. فقد ساهم الرئيس الموريتاني الجديد في إفشال انقلاب صالح ولد حننا على الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع في العام 2003 ليتم ترقيته جراء ذلك من ضابط مغمور برتبة نقيب إلى رتبة عقيد ونائباً لقائد الأمن الوطني، وهنا بدأ يعد العدة للانقلاب، فساهم في انقلاب العام 2005 وظهر اسمه كأحد قادة الانقلاب الذي أودى بالرئيس معاوية ولد الطايع تحت قيادة العقيد أعلي ولد محمد فال.

وفى ذلك الوقت راجت لدى الأوساط المهتمة بالشأن الموريتاني انه القائد الحقيقي للانقلاب، وهذا الأمر كله يعنى أن الرئيس بما له من خبرة سواء في إحباط انقلابات أو في صناعتها، قادر على التصدي لها بما يمكن أن يجنب بلاده ويلاتها على الأقل على المدى المتوسط.

وكان الاعتقاد السائد لدى النخبة الموريتانية والمراقبين أن ولد عبد العزيز لا يفضل أن يكون في الواجهة وإنما يفضل أن يمارس دورا رئيسا ومركزيا من وراء ستار سواء مدني أم عسكري، ولكن جاءت إقالة الرئيس السابق له لتفرض عليه أن يعدل من خياراته ويظهر على سطح الأحداث من خلال قيادته للانقلاب، بما يؤكد سيطرته على المؤسسة العسكرية، وبما يؤكد انه يمكن أن يجنب موريتانيا أخطار الانقلاب وبما يؤكد أنها ستعيش في استقرار فترة من الوقت ليست قصيرة.

وإذا انتقلنا إلى الخطر الثاني وهو خطر تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي، فإن موريتانيا تعد من الحلقات الضعيفة في مواجهة هذا التنظيم.

حيث شهدت عمليات إرهابية متعددة خاصة في مواجهة السياح في الفترة التي تشهد فيها رواجا سياحيا، خاصة في فترة تنظيم سباق السيارات باريس داكار، والأمر الذي اعتبر ضربة موجهة إلى اقتصادها، والسائد لدى المراقبين هو أن الاستقرار السياسي الذي سيتحقق في موريتانيا سيمثل البنية التحتية اللازمة، للتصدي لخطر الإرهاب.

والملاحظ أن مقاومة تنظيم القاعدة شهدت نقلة نوعية بمجرد انتخاب الرئيس ولد عبد العزيز . كذلك فان القاعدة حاولت إثبات وجودها من خلال عملية ضد سياح فرنسيين بعد انتخاب الرئيس، لكي تؤكد لكوادرها أنها لم تتأثر بهذا الحدث الانتخابي .

والحاصل أن «القاعدة» استطاعت استغلال كل أنواع النزاعات والخلافات في منطقة شمال أفريقيا وجنوب الصحراء لتنتشر في طول الشريط الممتد من الجنوب الموريتاني والنيجر وحتى السنغال وصولا إلى الجنوب السوداني مرورا بمالي وتشاد.

وقد سعت «القاعدة» بكل بساطة إلى ملء أي فراغ تصادفه في طريقها.و كان التركيز الأساسي لعناصرها في مرحلة معينة على المغرب، ثم انتقلت إلى كل من الجزائر وموريتانيا .

وما يميز حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز عن الحكم المدني الأسبق عليه في هذا الشأن أمران الأول هو أن علاقته بالمغرب ستكون جيدة، فهو من جهة درس في الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس المغربية.

ومن جهة ثانية فان الملك محمد السادس كان أول من هنأه بالفوز بمنصب رئيس الجمهورية الموريتانية وقبل الإعلان الرسمي للنتائج وفى الوقت الذي طعن فيه منافسيه فى النتائج بعد انتهاء التصويت، بما يعنى أن المغرب ترى أن علاقتها بموريتانيا فى ظل رئاسته ستكون في أفضل حالاتها، بعدما كانت في الأسبق أكثر ميلا للجزائر، وهو ما يعتبر أمرا شائك في ظل نزاع الصحراء بين الدولتين.

أما الأمر الثاني الذي يختلف فيه الرئيس محمد ولد عبد العزيز عن الحكم الأسبق عليه فيما يتعلق بمواجهة خطر الإرهاب، فهو يتعلق بالحسم، ذلك أن الرئيس السابق تردد في مواجهة الإرهاب واتهمته قيادات عسكرية وأعضاء في البرلمان بالتهاون في هذا الشأن، ويبدو من تصريحات الرئيس ولد عبد العزيز انه يدرك أن الحسم في هذا الأمر لازم ومطلوب، وانه سيواجه الظاهرة وفقا لهذا المنهج .

وبالطبع فان الجدية في مواجهة هذا الخطر، سيؤدى إلى تعاطف الدول الأخرى مع موريتانيا، ومدها بالمساعدات المادية واللوجستية في معركتها ضد «القاعدة»، ونقصد هنا كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، الأمر الذي يعنى في التحليل النهائي أن المعركة ستكون بالنسبة لموريتانيا أكثر سهولة عن ذي قبل .

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com