من أراد مطالعة نموذج حي يجري علي قدم وساق لتدافع القوى الدولية الكبرى حول مناطق النفوذ الاقتصادي وفتح الأسواق وترسيخ مواطن الأقدام سياسياً وثقافياً، فليتابع السباق الأميركي الصيني في ربوع القارة الأفريقية.

علي وجه التقريب، فان كل خطوة تخطوها واشنطن وبكين عبر عقد الصفقات الحكومية أو أنشطة رجال الأعمال وأمراء القطاع الخاص في أفريقيا، توحي بالتنافس القوي بين القطبين هناك. وفي السنوات الأخيرة توج القطبان سباقهما الناعم هذا بإطارين واسعين للعلاقات طويلة الأجل وعميقة الغور يحمل كل منهما عنوان الحوار مع عموم القارة: حوار أميركي أفريقي وآخر صيني أفريقي.

بناء علي هذا المستجد، لم تعد القارة السمراء حكراً علي نفوذ مستعمريها القدامى من الأوروبيين .. واليوم، تكافح منظومات ومنظمات الانجلوفون والكومنولث والفرانكفون لمجرد البقاء والاحتفاظ بالهيبة الشرفية.

ليس هنا مقام الاستطراد إلي ما تعنيه تحولات مراكز القوة والنفوذ في أفريقيا وتداعياتها علي قضية صعود القوة الكبرى وأفولها .. ما يعنينا حقاً هو أن الاصطكاك الأميركي الصيني في أفريقيا، لم يحل دون إقبال الطرفين علي أجراء حوار استراتيجي بينهما؛ تقع الأبعاد الاقتصادية علي رأس محاوره.

بدأت أولي جولات هذا الحوار في أواخر يوليه الماضي بواشنطن. وفي كلمته الافتتاحية قال الرئيس الأميركي أوباما «أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ستحدد معالم القرن الحادي والعشرين». مؤدي ذلك أن واشنطن قطعت مسافة أخري كبيرة علي الطريق الاعتراف بندية بكين معها في عالم اليوم والغد.. الأمر الذي يوفر الشرط الأساسي لحوار مثمر فعال. فالحوار لا يستقيم ولا يؤتي أكله إلا باستشعار المتحاورين للندية. كما انه لا ينفي التنافس والمزاحمة ومحاولة تسجيل النقاط، لكنه يسعى لتنظيم هذه الحقائق وتشذيبها كي لا تقود إلي الصدام والعداوة المفتوحة.

هذا النموذج يعيد إلي الأذهان، مع بعض الفوارق، ما كان بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من توازن بين التنافس والحوار في الوقت ذاته .. فقد عرف القطبان حالة التدافع والمزاحمة الإستراتيجية متعددة الأبعاد علي النطاق العالمي. بيد أنهما خاضا بالتزامن في حوارات ومفاوضات ممتدة حول قضايا بالغة الحساسية كالخفض المتبادل للأسلحة، ومنع الاشتباك علي خلفية تباين المواقف والسياسات مثلما حدث مع قضية الصراع الإسرائيلي العربي ونشر الصواريخ السوفييتية في كوبا.

ولنا أن نلاحظ كيف أدي تفكك الاتحاد السوفييتي، ثم افتقاد خليفته روسيا لشرط الندية، إلي فتور واشنطن تجاه لغة الحوار مع موسكو، واستبدالها أو السعي لاستبدالها بلغة الإملاءات أو بالتجاهل. وقد يسترعي الانتباه بالخصوص أن واشنطن هي التي بادرت إلي طلب الحوار مع بكين، وذلك أثناء لقاءات الرئيسين الأميركي والصيني في قمة العشرين في أبريل الماضي.

ستون عاما بالتمام والكمال مرت علي نجاح الثورة الصينية عام 1949، قبل أن تعترف الولايات المتحدة بالصين شريكاً محاوراً نداً لها، ينبغي لها أن تعامله رأساً لرأس وأن تنشد تعاونه والإبحار معه في الغمار الدولية كتفاً لكتف. وما كان هذا ليحدث لولا أن الصينيين ، نظاماً وأمة، قرءوا اتجاه العصر وروحه واستوعبوا دروسه جيداً، واجتهدوا في تطوير تجربتهم الحياتية لمواكبته واكتساب معاملات القوة اللازمة لمناطحة الأقوياء فيه.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد سبق للعرب مجتمعين تحت مظلة الجامعة العربية، الممثل الشرعي الأول لنظامهم الإقليمي، إن اختبروا تجربة غنية للحوار مع الأوروبيين. حدث ذلك غداة حرب أكتوبر 1973، يوم كان الأوروبيون مجرد جماعة إقليمية ولما يبلغوا بعد مقام الاتحاد الذي يعرف الآن.

وقتذاك كان النظام العربي في أوج تماسكه سياسياً واقتصاديا وعسكرياً بين يدي مجريات الحرب وتوابعها.. حتى قيل بأن العرب باتوا مؤهلين لمكانة القوة السادسة عالميا. وعندها، بادر الأوروبيون عام 1974 إلي خطب ودهم ومحاورتهم.

وفي أدبيات هذه التجربة نعثر علي تحليلات لخبراء وساسة، أحالوا فيها تلك البادرة إلي إحساس الأوروبيين بأن العرب أصبحوا أنداداً لهم وجيران يجب التفاهم معهم ،عوضاً عن اعتبارهم حديقة خلفية لقارتهم في جنوب المتوسط؟. ومن وجهة نظر معتبرة، كان غياب ذلك الإحساس بفعل انفراط عقد العرب بعد بضعة أعوام، السبب الرئيسي في انفراط عقد الحوار وطيه.

راهناً، يخلو المجالين الإقليمي والدولي من حوار أوروبي أو أميركي عربي شامل.. توجد فقط مباحثات ولقاءات ثنائية وأحياناً أكثر من ثنائية بقليل. والمؤكد أن واشنطن بالذات لا تجد في نفسها حاجة لحوار كهذا.. فالعرب ليسوا بعد نداً لها كالصين. ومصالحها لديهم تسير سيراً حسناً، حتى وان لم تراع من طرفها الكثير من مصالحهم.. وعلي المتضرر أن يلجأ لخبرات التاريخ، ليتلمس السبيل إلي إكراه الآخرين على احترام مقامه ومصالحه ،ان لم يكن معاملته علي قدم المساواة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com