الفلسفة عالم لا متناهي من الأفكار والتحليلات الّتي إذا ما أردنا الوصول إلى أجوبة لها بتنا ندور في حلقةٍ مفرغة. بطبيعتنا البشريّة الّتي ميّزها اللّه تعالى بعقلٍ يحسن أن يدبّر ويفكّر يعالج ويحلّل الأمور، تمرّ في خواطرنا أسئلة وتصادفنا أحداث يوميّة تجعلنا فلاسفة من دون أن ندري. كما يمكن أن نصبح في صراعٍ مع ذاتنا وأفكارنا من أجل الثبات على رأي مثقل وعميق ومنطقيّ ومقبول اجتماعيا ودينيًّا...
على مرّ التاريخ سمعنا ودرسنا عن شخصيّات عظيمة تركت بصمات عميقة في النفوس وظلّت آثارها وأعمالها تلهمنا حتّى العصر الحالي.إذا ما أردنا المزج بين الفلسفة وعبقريّة هؤلاء دخلنا إلى اللاوعي والعقل الباطني الّذي نقشت فيه صور وأحداث أثرّت في إبداعهم وعطاءاتهم وتميّزهم وخلود ذكراهم على مرور الزمن.
وكي لا يدخل مقالي نطاق الفلسفة اللاّمفهومة لا بدّ أن أسلط الضوء على فكرة أنّ الحالة الاجتماعيّة والنفسيّة غير المستقرّة الّتي يمكن أن يعيشها الفرد تولّد انفعالات وطاقات يمكن أن تفجّر بطريقة سلبيّة فتؤدّي إلى ارتكاب المحرّمات وإذا كانت مثقلة بموهبة تنقلب إبداعًا وعبقريّة وتفجّر أعمالاً خارجة عن المألوف.
كُثر من يعرفون الفيلسوف، الأديب الشاعر والرّسام جبران خليل جبران لكن قلائل من يدرون أنّه لم يذهب إلى المدرسة لأن والده لم يعط لهذا الأمر أهمية فقد كان يقضي أوقاته في الشرب ولعب الورق وكان صاحب مزاج متغطرس، ولم يكن شخصاً محباً.
أمّا بالنسبة إلى الأديب والناقد المصري الكبير طه حسين الّذي لُقّب بعميد الأدب العربي فقد ضاع بصره في السادسة من عمره بعد إصابته بالرمد. وإذا ماعدنا إلى العصر العباسي لا بدّ أن نذكر الشاعر والفيلسوف والأديب العربي السوري أبو العلاء المعري الّذي أصيب في الرابعة من عمره بالجدري فكفّ بصره.
أمّا هوميروس صاحب أعظم الملاحم البطولية في التاريخ «الإلياذة والأوديسا»، فقد ذاق مرارة الفقر، وتشير عدة روايات أنه أضحى ضريراً بعد بصر. كما أنّ بشار بن برد إمام الشعراء المولدين فقد كان دميمًا وولد أعمى.
وإذا ما أردنا التدقيق في أسماء المبدعين الّذين عاشوا مأساة وعانوا من ظروفٍ طبعت شخصيّاتهم وأثّرت في مسيرة حياتهم، تطول اللاّئحة الّتي لا تشمل فقط الأدباء والمفكّرين بل تتعدّاهم لتضمّ موسيقيّين ومخترعين.
سمعنا الكثير عن المؤلّف الموسيقي الألماني الكبير لودفيج فان بيتهوفن، الذي يعتبر من أبرز عباقرة الموسيقى في جميع العصور، فقد كان أبوه معلمه الأول الذي وجه اهتمامه للموسيقى ولقنه العزف على البيانو والكمان، إلا أنه لم يكن الأب المثالي فقد كان مدمناً على الكحول ويجبره على التدرّب على عزف البيانو ساعات طويلة دون رحمة ويضربه إذا توقف وكانت طفولته تعيسة وأصيب بالصمم في الثلاثينيات من عمره.
والمطرب عبد الحليم حافظ لم يكن مطربا كباقي المطربين بل كان ظاهرة أدائية كبيرة ومعجزة غنائية واضحة وعقلية فنية متفردة، على الرغم من أنّه عاش يتيمًا فقد توفيت والدته بعد ولادته مباشرةً وقبل أن يُكمل عبد الحليم عامه الأول توفي والده فعاش طفولة تعيسة وعانى من الفقر.
هذا إضافةً إلى توماس إيديسون مخترع المصباح الكهربائي الّذي واجه صعوبات في مقتبل حياته وتعرض لاتهامه بالغباء من قبل معلميه، فقد وجده ناظر المدرسة طفلا بليدا متخلفا عقليا. والمخترع الكبير آنشتاين واضع نظريّة النسبيّة في الفيزياء تأخّر بالنطق حتى الثالثة من عمره، وكان يعاني من صعوبة في الاستيعاب.
إن كان هؤلاء مبدعين بفنّهم واختراعاتهم وآدابهم فبناء الأوطان فنُ وله مبدعوه!
أتساءل إذا كان الإبداع هو القدرة على تخيُّل هياكل أو علاقات جديدة تتجاوز الواقع وتختلف عن المألوف والمعروف! وإذا كانت آهات ومآسي هؤلاء الكبار هي الّتي فجّرت عبقريّاتهم، فأنتجوا كتبًا وأدبًا وملاحم وسيمفونيّاتٍ واختراعاتٍ ما زلنا نذكرها ونتغنّى بها. فما الذي يفجّر خطابات وقرارات زعماء السياسة في عصرنا؟ ألم يحن الوقت أن نتعلّم من مآسي الماضي وأخطاء كلّفتنا دماءً غالية؟ إذا كانت الإحصائيّات تشير إلى أنّ علاقة وثيقة بين الأمراض النفسيّة والإبداع الأدبي، لست أجد أيّ رابط وطيد بين أصحاب السياسة والقرار والإبداع في تدمير الأوطان وشرذمة الشعوب إلاّ فلسفة غير مفهومة في قراءة الذات وتراكمات نفسيّة ممزوجة بحبّ العظمة الظهور المال والسلطة تظهر من حين إلى آخر في قرارتٍ مصيريّة عند بعض الزعماء.
فإذا كان جبران خليل جبران وبشار بن برد وطه حسين وغيرهم، قد أصبحوا قيمةً كان لها تاريخها المشرق الّذي مازال يُشعّ نورًا وهديً، ففي هذا العالم العربي الواسع أمثالهم ممن عانوا وهم قادرون على العطاء والتجدّد من أجل خدمة الأوطان والإنسانية. وإذا كانت الآهات والمآسي مصدرًا لتفجير العبقريّات، فهل من مآس أعظم من مآسينا في الشرق العربي وهل من آهات موجعة ومذبوحة أكبر من آهاتنا في تحمّل الظلم والحرمان من أبسط حقوقنا في الحياة. فليرتفع صوت الحقّ ممّن لهم قدرة الصراخ في سبيل التغيير والتقدّم عملاً بقول أديبنا العظيم جبران خليل جبران: « ويل لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت في جنازة، ولا تفخر إلا بالخرائب، ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع».
كاتبة لبنانيّة