إذا كانت خلافات الغرب الفكرية فيما بينه لم تتعد حدود الكرة الأرضية وتجد حلها في معظم الأحيان على سطح الكوكب الأزرق فإن خلافات الأمة الإسلامية وصلت للقمر ومنذ زمن طويل حتى قبل أن تطأ قدما أرمسترونج سطحه ويغرز راية أميركا عليه.
ففي كل عام في مثل هذه الأيام الأخيرة من شعبان يختلف المسلمون على تحديد بداية شهر الصوم ويظلون كذلك إلى نهاية رمضان ثم يعاودون الاختلاف حول رؤية هلال العيد، فبينما نجد دولا إسلامية تحتفل بعيد الفطر نجد دولا إسلامية أخرى ما زالت تصوم رمضان.
ولم نسمع منذ أن انتشرت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أن اتفق المسلمون شرقا وغربا على أول رمضان وأول أيام عيد الفطر. فبعض الدول تعلن قبل شهر أو أكثر بأن غرة رمضان قد حددت مسبقا دون انتظار رؤيته عينا حسب ما جاء في القرآن الكريم، وإنما اعتمادا على الحسابات الفلكية الخاصة بها.
ومنها من لا يعترف حتى بالحسابات الفلكية الدقيقة التي تؤكد استحالة رؤيته في يوم معين لغروب الهلال قبل أو بعد غروب الشمس بثوان أو دقائق معدودة ما يجعل رؤيته بالعين المجردة مستحيلة. ومع ذلك تعلن بعض الدول رؤيته وبالتالي على المسلمين بدء شهر الصوم. وبعض الأحيان تعتذر بعض الدول الإسلامية على الخطأ غير المقصود.
وفي أحيان أخرى قد يصل الفارق في الصيام بين دولة إسلامية وأخرى إلى ثلاثة أيام! البعض يبرر ذلك باختلاف المواقع. فمثلا رؤية الهلال في أندونيسيا لا يعني بالضرورة رؤيته في المغرب أو في جنوب أفريقيا. وهذا أمر لا خلاف عليه، ولكن ما قد نختلف عليه أن يزج بالهلال وهو شعار المسلمين في كل مكان في الخلافات السياسية الدائرة.
فهناك مجموعات من المغرضين ينتهزون هذه الفرص لينشروا إشاعات هدفها تعميق الفجوات بين الشعوب والطوائف الإسلامية، ويدعون بأن بعض الدول أعلنت بدء رمضان قبل موعده لكي تتأكد ممن يتبعها وممن يرفض تبعيتها.
وبالرغم من زيف مثل تلك الشائعات المغرضة التي تهدف إلى إشاعة الفرقة بين المسلمين في شهر يعتبر شهر الرحمة والمغفرة ويفترض أن يكون شهر التواصل والتقارب بين الشعوب الإسلامية (حيث أننا نفضل استخدام تسمية الشعوب الإسلامية بدلا من الدول الإسلامية، والأمة الإسلامية بدلا من الدول العربية، فنحن أمة واحدة مهما اختلفت طوائفها ولسنا دولا متفرقة مهما تضاربت مصالحها، فالواجب إطلاق لفظة الشعوب بدلا من الدول).
ولا يوجد في رأينا زعيم دولة إسلامية واحدة يضمر نية إيجاد الفرقة بين شعوب المسلمين لأسباب شخصية أو سياسية أو اقتصادية أو غيرها، لأن تلك الفرقة ستضر به قبل أن تضر بغيره.
لقد اقترح البعض منذ فترة طويلة بأن يتم تشكيل لجنة أو لجان مشتركة مكونة من مجموعة من الأئمة التقاة يمثلون كافة الدول الإسلامية تلتقي في عدة عواصم إسلامية (على سبيل المثال: جاكرتا ومكة والرباط) في أوقات وتواريخ محددة بغرض تحرى رؤية الهلال دون الأخذ في الاعتبار رؤية شهود العيان العاديين.
وتقرر هذه اللجان بالأغلبية رؤية هلال شهر رمضان وكذلك الحال بالنسبة لهلال شوال، وعلى المسلمين كافة في كافة بقاع الأرض إطاعة ما تتوصل إليه وتقرره هذه اللجنة. إن نجاح مساعي مثل هذه اللجان قد يبرز الوجه الحضاري للأمة الإسلامية التي يشمت بها أعداؤها في كل مكان.
فهناك من يتحدث ساخرا من أن المسلمين لن يتفقوا مطلقا، وكيف يتفقون وهم غير قادرين على الاتفاق على بداية شهر رمضان ونهايته، الذي لا يختلف اثنان على كونه أكثر شهور السنة الهجرية أهمية لدى المسلمين شرقا وغربا.
إننا نطمح أن تكون بداية شهر رمضان القادم أو الذي يليه بداية وفرصة لإظهار قوة الإسلام واتفاق المسلمين للعالم الذي يصورنا بشكل كاريكاتوري لكثرة اختلافاتنا ونزاعاتنا على أمور تافهة رغم رقي عقيدتنا ومعتقداتنا ولغتنا.
إن مثل هذه اللجنة التي تعرضنا لها قد تتطور على أساسها لجان أخرى هدفها حل الخلافات التي تعكر صفو المسلمين وتقسمهم إلى فرق وهمية وتدفع ثمنها أمة الإسلام شرقا وغربا.
إن أكثر من مليار ونصف المليار مسلم لهم اليوم الحق كل الحق في المطالبة بلجنة واحدة على هذا المستوى الرفيع تجعله يصوم ويفطر وهو مطمئن البال.
وكل عام وهلال رمضان بخير.
جامعة الإمارات