رغم العزلة التي أحاقت بإسرائيل منذ تأسيسها، إلا أنها كانت، ولا تزال، لاعبا مهما في الشأن السياسي في منطقة الشرق الأوسط. وقد حرصت قياداتها منذ البدايات الأولى لتأسيس الحركة الصهيونية على إقامة أوثق الصلات مع اللاعب الدولي الأبرز في المنطقة، هذا على الرغم من أن الأقلية اليهودية، في معظم بلاد العالم، قد حرصت على التسلق إلى المواقع المهمة في البلد الذي تسكن فيه ليمنحها ذلك فرصة التعرف على مساراته السياسية والتأثير على صناعة القرار فيه إدامة لمصالحها وضماناً أمنياً لها وهي الأقلية المنغلقة على نفسها.
فقد كان لليهود، ولا يزال حتى الآن، وجود في مواقع مهمة في المؤسسات الحاكمة في الشرق أو في الغرب، في الدول الرأسمالية أو الدول الإشتراكية. ومنذ ربطت إسرائيل أمنها الوطني بإستراتيجية الولايات المتحدة، بعد أن تراجع دور بريطانيا وفرنسا على المستوى العالمي، استطاعت توسيع دائرة هيمنتها وعمقت آثار سياساتها في المنطقة خاصة بعد أن تراجع خصومها عن سياسات المواجهة وبعد أن انهارت أو انهزمت بعض الأنظمة المعادية لها. وقد كسبت إسرائيل في حلفها مع الولايات المتحدة أكبر نصر عسكري عام 1967، لا يزال العالم العربي يلعق جراحاته من جرائه حتى الآن.
ورغم وشائج الارتباط القوية مع الولايات المتحدة، إلا أن إسرائيل لم تعلن موقفاً معادياً لأية قوة عظمى بما فيها الإتحاد السوفييتي المجهز الرئيسي للسلاح للأنظمة المعادية لإسرائيل آنذاك. والحقيقة أنها في هذا الصدد حرصت على تقليص حجم عزلتها، وأبقت على قنوات مفتوحة مع هذه الدول ليس في صالحها إغلاقها.
كان الخيار الإسرائيلي بالتبعية للاعب الأبرز في المنطقة منطلقاً من إستراتيجية ضمان أمنها وسط واقع جغرافي معاد يرفض وجودها ويعتبرها كياناً غاصباً ينبغي إزالته. إلا أن الظروف قد تغيرت منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، فلم يعد أمن إسرائيل في خطر كما اعتادت أن تعلن لتبرر حجم تسليحها وضخامة جيشها وعدوانية سلوكها.
فهل ستبقى معايير التخطيط الإستراتيجي في إسرائيل كما كانت أم سيطرأ عليها بعض التغيير في ضوء ظروف جديدة يشهدها العالم؟، فقد لا تبقى الولايات المتحدة اللاعب الأبرز أو الأهم في المنطقة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن القوة العسكرية لن تكون وحدها معيار الحكم على حجم وأهمية الدور الذي تلعبه دولة ما، أو قد لا تبقى الولايات المتحدة السند القوي لسياسات إسرائيل التي طالما سببت لها إحراجا مع أصدقائها العرب.
هناك قوى جديدة صاعدة يزداد حجم وجودها وتزداد أهميتها في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم أجمع، من جهة، وهناك تغير في المزاج الأميركي نحو إسرائيل، من جهة أخرى. ولا بد لهذه المتغيرات أن تترك آثارها على مسارات السياسات في الشرق الأوسط، فليس هناك ثوابت في السياسة غير المصالح.
كتب المعلق السياسي فيك روزنثال، في الخامس والعشرين من يوليو المنصرم، على موقع اللوبي الصهيوني في ولاية كاليفورنيا الأميركية: «رغم أن الرئيس أوباما لم يتحدث عن ضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود الخامس من يونيو 1967، إلا أن سياسته تعني ذلك، وتعني كذلك إضعاف دور إسرائيل في المنطقة». والحقيقة أن هناك تغيراً ملحوظاً في الموقف الأميركي تسبب في خلافات جدية مع اليمين الإسرائيلي الحاكم، لم يحرص أي من الطرفين على إخفائه.
إسرائيل التي اعتادت على السير مع اللاعبين الكبار لم تغفل النظر إلى الصين منذ ثمانينات القرن المنصرم وترى فيها قوة كبيرة سيكون لها شأنها في المستقبل. وحرصت في ضوء ذلك على بناء نسيج من العلاقات معها على مستويات مختلفة وفي مجالات مختلفة، فالصين العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي وأحد أبرز مجهزي الدول المعادية لإسرائيل، أو التي لا تكن الود لها، بالسلاح. إلا أنها وجدت بأن الصين ليس فيها أقلية يهودية فاعلة تسهل مهمتها في مد الجسور وفتح المعابر معها، كما كان الحال مع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
فكان عليها أن تبحث عن سبل للتغلب على هذه الإعاقة فوجدت ضالتها في حاجة الصين إلى التكنولوجيا الحديثة لإعادة بناء إقتصادها، خاصة ما يتعلق منها بالنواحي الأمنية العسكرية. وقد حرصت الصين على أن يبقى التعاون التكنولوجي مع إسرائيل سراً كي لا يعكر صفو العلاقات المتينة التي تربطها مع معظم الدول العربية. إلا أن تلك العلاقة لم تعد سراً، فبعد أن اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل وبعد أن عقد مؤتمر مدريد، تبادل الطرفان العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء في عام 1992.
إن استخدام مبيعات السلاح كوسيلة لتحقيق أهداف محددة في السياسة الخارجية ليس بالجديد، فجميع الدول المصدرة للسلاح تعمل بهذا المبدأ ولم تكن الصين استثناء من هذه القاعدة التي وضعتها إسرائيل لبناء علاقاتها مع دول العالم الثالث. ففي حالة عدم وجود أدوات سياسية متميزة أو أدوات دبلوماسية أو اقتصادية، نجحت إسرائيل في استعمال تجارة السلاح خاصة المنظومات الأمنية المتطورة التي تنتجها للترويج لمصالحها في العالم الثالث.
فهي في حالة فشلها في تحقيق أهدافها السياسية في كسب الطرف الآخر إلى صفها أو في تحييد مواقفه تكون قد نجحت في التخفيف من غلوائه إزائها. وهناك ما يشير إلى أن إسرائيل بدأت بتوريد السلاح إلى الصين منذ عام 1980، فالصين تسعى إلى تحديث وسائلها الدفاعية وإسرائيل تحتاج إلى الدعم المالي لبرنامج أسلحتها المتطور تكنولوجياً.
إلا أن العلاقات الصينية الإسرائيلية، خاصة ما يتعلق منها بالنواحي الأمنية العسكرية قد أصبحت مصدر تعكير صفو العلاقات الإسرائيلية الأميركية. وقد حرصت إسرائيل على إقامة توازن في علاقاتها مع هذين القطبين من خلال استجاباتها لمطالب كل منهما بدرجة لا تثير حفيظة الطرف الآخر.
إلا أنها لم تنجح في رسم مسار مستقل في هذه العلاقات، فعلاقاتها مع الحليف الإستراتيجي، الولايات المتحدة، تفرض عليها قيوداً، لا تستطيع تجاهل قوتها وأهميتها، في التعامل مع الدول الأخرى، وخاصة الصين، وبشكل أخص إذا كان الموضوع يتعلق بنواح ذات طابع عسكري.
في عام 2000، وتحت الضغط الأميركي الشديد، اضطرت إسرائيل إلى إلغاء صفقة بيع منظومة الإنذار المبكر المحمولة جواً، والتي تحمل اسم «فالكون» والتي تعتبر الأكثر تطوراً بعد المنظومة الأميركية المعروفة باسم «أواكس»، إلى الصين. فقد كان على إسرائيل أن تتخذ موقفاً تفضيلياً بين إغضاب الحليف الإستراتيجي أو إرضاء الزبون الكبير الجديد.
فالولايات المتحدة حساسة جداً في القضايا الأمنية العسكرية خصوصاً مع قوة ناهضة يحسب لها ألف حساب على مستوى دورها المتزايد في السياسة الدولية. فهل ستعيد إسرائيل النظر بقرار إلغاء هذه الصفقة، أم تلوح بإمكانية ذلك خلف الكواليس؟، سؤال قد لا نتلقى الإجابة عنه في وقت قريب.
كاتب عراقي