في عام 1545 أراد الدوق كوزيمو ميديتشي، باعث النهضة الفنية في إيطاليا، أن يضمن خلود اسمه في سجلاّت التاريخ. وبما أنه كان من رعاة الفن الأوائل، فقد قرر أن يوصي برسم لوحات جدارية في كنيسة سان لورينزو في فلورنسا إلى الفنان الإيطالي جاكوبو دا بونتورمو. وكان جاكوبو ممن تأثروا بليوناردو دافينشي الذي عاش معه فترة من الزمن، ومايكل أنجلو الذي كان إبداعه في الفاتيكان بروما من أسباب جنوح جاكوبو تجاه الفن. كانت الفرصة التي أعطاه لها كوزيمو مواتية ليضاهي فيها أعمال مايكل أنجلو، حيث كان يعتقد بأن اللوحة الجدارية التي سيرسمها في الكنيسة ستتفوق على لوحته المرسومة في سقف كنسية سيستين في الفاتيكان.

وبسبب هذا الهوس الذي تملّك جاكوبو، قام ببناء سور حول الكنيسة، وأسدل بعد الأسوار ستائر لكي تحجب عمله عن أي متطفل يريد أن يسرق أفكاره. استمر جاكوبو في رسم تلك اللوحة التي صوّرت بداية الخليقة وآدم وحواء وسفينة نوح وغير ذلك، لأكثر من احد عشر عاماً، وكان لا يغادر المكان إلا نادراً حيث تشكّل لديه رهاب من الاتصال بالناس، وكان يعتقد بأن عمله هذا سيكون أفضل عمل فني في التاريخ خصوصاً وأنه عمل فردي بحت، لا يشبه نصائح الخبراء ولا انتقادات الناس.

إلا أن جاكوبو مات قبل أن يكمل لوحته، وعندما حاول الناس التعرف على تفاصيلها لم يستطيعوا أن يجدوا غير خربشات فنان لا يمتّ للفن بأية صلة. حتى كاتب عصر النهضة، فازاري، الذي كان صديق جاكوبو وصف اللوحة التي شاهدها بأنها منعدمة التناسب، وكل ما فيها من شخصيات ومناظر كانت مصطدمة ببعضها البعض... وباختصار قال بأنها لوحة تبعث بالجنون.

ومن فلورنسا نفسها، كان ميكيافيللي يجادل القادة العسكريين في محاولات يائسة لإقناعهم بالتخلي عن فكرة بناء القلاع، حيث كان يعتقد بأن القلاع تصبح رمزاً لانعزال السلطة، لتتحول فيما بعد إلى هدف سهل للأعداء الذين لا تخلو حياة الناجحين منهم. فالقلاع المصممة للدفاع عنك، تتحول إلى سجن يأسرك إذا ما قُطعت عنك المؤن، وتصبح عندها كالفأر المحشور في مصيدة، ولذلك كان ميكيافيللي يرى بأن السلطة الناجحة هي التي تتواجد في كل مكان، وتختلط بكل شخص حتى لا يعرف أحد من أين يأتيها.

وفي عصرنا الحاضر الذي تحول فيه الغزو المعلوماتي إلى ظاهرة صحيّة إلى حد كبير، ما زال هناك من يعتقد بأن جدرانه التي تملؤها الأسلاك الكهربائية والتوصيلات الإلكترونية، تستطيع أن تحميه أو تحمي ما يدور بداخلها من معرفة الآخرين بها، في محاولة يائسة للانقطاع عن العالم خشية منه أو جهلاً به.

مازالت القاعدة العسكرية التي وضعها الفيلسوف الصيني الكبير (صن تزو) القائلة بأن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، قاعدة تنطبق على جميع جوانب الحياة. والقارئ لمعطيات الوقت الحاضر لابد أن يدرك بأن الهجوم قد تعدى كونه دفاعاً بل أصبح ضرورة من ضرورات بناء الكيان الحضاري لأي دولة أو أمّة. فالهجوم في كثير من الأحيان يضلل أعين الناس عن الحقيقة.

خذ على سبيل المثال وسائل الإعلام الأميركية أو البريطانية، فلقد خضت تجربة قبل عام عندما كنت في بريطانيا، حيث قررت أن أقرأ ثلاث صحف بريطانية كل يوم، وألا أقرأ أخباراً غيرها، سواءً عربية كانت أم أجنبية.

واكتشفت بعد شهر واحد فقط بأن معظم أخبار الصحف البريطانية كانت ضربات احترازية لتحريك الرأي العام تجاه قضية ما ومن زاوية معيّنة قبل أن تثار القضية من وجهات نظر معارضة، وبالتالي، يصبح الرأي العام مهيّئاً لتبنّي وجهة نظر الصحيفة ؟ أو السلطة في كثير من الأحيان ؟ حتى قبل أن ينشط المعارضون بطرح آراء مختلفة.

إن فتح باب الحوار، الرأي والرأي الآخر، ليس أداة من أدوات الإصلاح الحضاري فقط، بل وسيلة من وسائل استباق الأحداث وتحويرها لصالح صانع القرار الذي يجدّ في بناء أمّة عظيمة. فالبشر مخلوقات اجتماعية، تعتمد على التفاعل الاجتماعي وتنضج بالتواصل بين بعضها البعض، وإن لم تكن السلطة في عمق ذلك التفاعل وفي مركز الأحداث، سواءً كانت أحداثا سلبية أم إيجابية، فإنها إما أن تُهمّش المجتمع أو تُهمّش نفسها، وفي كلتا الحالتين فإنها ستكون الخاسر الأكبر.

في ثقافتنا العربية يخجل الناس من نشر غسيلهم أمام الجيران، ويحاولون قدر المستطاع أن ينشروه في مكان من البيت لا تصله نظرات المارة حتى وإن كان ذلك المكان محجوباً عن أشعة الشمس، وكأن الجيران أو المارة لا يلبسون ثياباً داخلية حالهم في ذلك حال جميع البشر. أما إذا ما اتسخ الغسيل، فإن صاحبه يعمد إلى نشره داخل المنزل حتى لا يفتضح أمام الناس، ولا يعرف هذا أن نشر الغسيل أمام أشعة الشمس وفي وضح النهار هو دليل ثقة بالنفس وأنّه ليس لديه ما يخفيه عن الآخرين.

لابد من مكافحة الرغبة في الانكفاء إلى الداخل، ولابد في السعي للوصول إلى الآخرين وتشكيل دوائر من التواصل ليس مع الجيران فقط، بل مع العالم أجمع، وقد يكون الوقت قد حان لتشكيل تحالفات جديدة، لا يهمها نوع الملابس التي نلبسها. فنشر الغسيل أمام المارة، على الرغم من أنه سيثير جدلاً واسعاً وتهكمات مغرضة في بداية الأمر، إلا أنه سيؤدي بالتأكيد إلى فقدان هؤلاء المارة الاهتمام بتوافه الأمور، وسيتحولون يوماً ما للحديث عن إنجازاتنا لا عن غسيلنا القديم.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com