كبيراً كان التساؤل حول مستقبل حركة فتح، بعد رحيل مؤسسها وزعيمها المطلق الراحل ياسر عرفات، وقبله رحيل عدد كبير من زملائه الأوائل الذين شكلوا القيادات التاريخية للحركة، الأمر الذي ترك العبء القيادي على رجال أغلبيتهم من الصف الثاني، أو الجيل الثاني بعد جيل المؤسسين، الذين لم يتبق منهم سوى عدد محدود.

وبعد رحيل عرفات، وإثر ما شهدته الساحة الفلسطينية من صراعات وفوضى وانقسام دامٍ وحاد، كان السؤال على شفاه الكثيرين هو: هل كان الذي حصل.. سيحصل لو أن عرفات كان حياً؟.

والحقيقة أن رحيل عرفات شكل منعطفاً كبيراً في تاريخ ودور وتأثير وحتى شعبية حركة فتح التي تفردت بقيادة العمل الفلسطيني لنحو أربعين عاماً، فقد خسرت الحركة في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، أمام منافستها حركة حماس التي حظيت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، ثم خسرت مرة أخرى حين سيطرت حماس بالقوة على قطاع غزة، في يونيو عام 2007.

من بين المآخذ الأساسية التي سجلت على حركة فتح، أنها بعد رحيل عرفات، عانت من غياب القيادة الحقيقية، فقد استحوذ عرفات في حياته بالقرار، وأفقد اللجنة المركزية دورها القائد مما حولها إلى مجرد إدارة شكلية لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام انتقادات الفتحاويين الراغبين بشدة في التجديد والتغيير. بعد عشرين عاماً على المؤتمر العام الخامس للحركة الذي انعقد في تونس عام 1989.

وتقدم السن بعدد من أعضاء اللجنة المركزية، وبعضهم الآخر أفقده المرض القدرة على العمل في الموقع القيادي الأول، وتشتت البقية بين الخارج والداخل، وبين العمل في الحركة والعمل في السلطة أو المنظمة، أصبحت فتح تسير بلا قيادة تقريباً، ليس هذا وحسب بل ان الحركة وقعت في أخطاء جوهرية، مثل إهمال العلاقات الوطنية، وإهمال منظمة التحرير لصالح السلطة، وإهمال العمل الجماهيري والعلاقات السياسية والتحالفات مع القوى والأحزاب العربية والإسلامية والدولية، وأكثر من هذا الاندماج في السلطة والانشغال في همومها ومهماتها الإدارية والأمنية والسياسية والحياتية، وتحملت كل أخطاء وخطايا السلطة.

كان على حركة فتح أن تدفع ثمن كل ذلك، لكن الفتحاويين لم يكونوا يتوقعون أن يكون الثمن باهظاً إلى حد الخسارة أمام حركة حماس، وفقدان القدرة على السيطرة والقيادة، وتحولها من التنظيم الحاكم والمتحكم بالقرار والخيار إلى شريك، يتقاسم مع حركة حماس ومن موقع الصراع والعداء، السيطرة على الوضع الفلسطيني، ما رفع في وجهها علامة استفهام كبرى تشكك في قدرتها على حماية المشروع الوطني، وتحقيق إنجازات لصالح الشعب الفلسطيني.

هكذا شكل المؤتمر العام السادس ضرورة وأولوية قصوى لأعضاء الحركة، والنهوض بأحوالها وأوضاعها، وضرورة وأولوية لقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني ومن فصائل العمل الوطني، التي يرتبط مصيرها إلى حد كبير بمصير حركة فتح، خصوصاً في ضوء تقدم الحركة الإسلامية التي تشكل بديلاً عن منظمة التحرير، وفصائلها ومنهجها وحتى برنامجها.

هذا الفهم لضرورة وأولوية النهوض بأوضاع حركة فتح انعكس في اهتمامات ومناقشات المؤتمر، وفي أولويات جدول الأعمال والنتائج خصوصاً، وقد أدى منع حماس لأعضاء المؤتمر في غزة من السفر لبيت لحم، إلى خلق مناخات استفزازية، حيث شعر المؤتمرون بأن هذا السلوك يشكل تدخلاً سلبياً من قبل حماس في أوضاع فتح الداخلية والتأثير على سير أعمال ونتائج المؤتمر.

بطبيعة الحال واجه المؤتمر تحديات أخرى مهمة وتحظى بأولوية، مثل كيفية مواجهة الانقسام في الساحة الفلسطينية وعوامل استعادة الوحدة الوطنية، والعملية السلمية، أو ما يتصل منها بالاستيطان وتهويد القدس، ومواصلة العدوان على الشعب الفلسطيني.

نتائج المؤتمر جاءت لتؤكد هذه الأولويات، غير أن التأكيد عليها لا يعني بالضرورة إدخال تعديلات جذرية على الخيارات السياسية، مما يعني أن المؤتمر لم يجر تغييراً في المنهج السياسي، وهذا ما أكده عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية للحركة، حينما قال إن المؤتمر لم يجر أية تغييرات، فالحركة تواصل تمسكها بالثوابت الوطنية، وبالخيار السياسي مع الاحتفاظ بحق المقاومة بناء لما تقره الشرائع الدولية، وبأن شكل وأساليب المقاومة مرتبطة بالتوافق الوطني، بمعنى أن فتح لن تنفرد في إقرار وممارسة أشكال ووسائل المقاومة المناسبة.

في هذا الإطار لم يكن متوقعاً أن يبادر المؤتمر إلى إجراء تغيير برنامجي، تماماً كما لا نتوقع أن تفعل ذلك المؤتمرات التي تجريها أو يمكن أن تجريها فصائل العمل الوطني الأخرى، فالبرنامج والخيارات لا تتغير خلال فترات قريبة، أما الذي يتغير فهو الخطط والآليات، والأدوات والوسائل.

استناداً لترتيب الأولويات، كان الإنجاز الأهم للمؤتمر بعد انعقاده كإنجاز بحد ذاته، هو انتخاب قيادات جديدة للجنة المركزية، وللمجلس الثوري، وعلى نحو يشكل ما يشبه الانقلاب، أو ما يمكن أن يسميه البعض ثورة في الثورة. لكأن المؤتمر حمل قيادة حركة فتح المسؤولية عن تدهور أوضاعها وتراجعها خلال العشرين سنة الماضية، فقرر الإطاحة بها حتى لم يتبق منها من الحرس القديم سوى أربعة، من أصل ثلاثة وعشرين هم عدد أعضاء اللجنة المركزية الجديدة.

المؤتمر اختار تسعة عشر عضواً للجنة المركزية بما في ذلك الرئيس محمود عباس، على أن يضيف لاحقاً وبموافقة اللجنة المركزية أربعة أعضاء، ممن لم يرشحوا أنفسهم ويفترض أن يكون اثنان منهم من قطاع غزة.

رغم ترشح ست سيدات إلا أن واحدة منهن لم تنجح، ولن تكون أي منهن ممن يحق للرئيس تعيينهم في اللجنة المركزية، مما يعني أن ثمة حاجة لإضافة سيدة، وربما يذهب المقعد الآخر لمسيحي، أو لتوسيع تمثيل الخارج الذي يبدو ضعيفاً.

هناك ثغرة أخرى مهمة، وهي أن إجراء الانتخابات للجنة المركزية والمجلس الثوري في الوقت ذاته، يعني أن عدداً كبيراً من القيادات المؤهلة التي ترشحت لعضوية اللجنة المركزية ولم يحالفها الحظ، لن يكون بمقدورها أن تكون في المجلس الثوري، أي أنها ستخرج من دائرة القيادة والقرار، ما يعني أيضاً أن المجلس الثوري، سيعاني من الضعف بسبب غياب تلك الكفاءات.

بعد المؤتمر تعكف اللجنة المركزية على معالجة الأولويات، والتي تبدأ بإعادة ترتيب وتقوية أوضاع حركة فتح، وتحديداً آليات تعاملها مع السلطة والمنظمة، ثم تحديد وجهتها في التعاطي مع ظاهرة الانقسام، ونحو إعادة توحيد الوضع الفلسطيني.

في الواقع فإن المؤتمر السادس لفتح، قام بانقلاب على ضعف الحركة وترهلها، بما يفتح الآفاق للنهوض بأوضاعها، في ظل قيادة شابة، تتملكها الرغبة في التغيير، الأمر الذي سينعكس ليس على الحركة فقط وإنما على مجمل المشهد الفلسطيني اللاحق.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com