ليس بالضرورة لكي تصبح الدولة عملاقاً في مجال الطاقة أن تملك إنتاجاً هائلاً من النفط أو الغاز أو أي سلعة أخرى في مجال الطاقة، هذا ما ينطبق في الواقع على تركيا الآن، وخاصة بعد الزيارة الهامة التي قام بها إليها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، وبلغت أهميتها الدرجة التي استدعت من رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلسكوني أن يلحق به هناك ليشارك في المباحثات مع بوتين ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حول مشاريع كبيرة وهامة في مجال الطاقة سيتعاون فيها الأطراف الثلاثة، وهي المشاريع التي وصفها البعض بأنها ستجعل من تركيا بلدا ذا تأثير فعال وحيوي للغاية في مجال الطاقة.

أعلن في أنقرة بعد اجتماع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بحضور رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني يوم 6 أغسطس أن تركيا أعطت موافقتها المبدئية على إنشاء خط أنابيب يعرف باسم «التيار الجنوبي» أو «الخط الجنوبي» لنقل الغاز من روسيا إلى جنوب أوروبا عبر البحر الأسود. ويُفترض أن ينقل عبر هذا الخط الذي سيبدأ العمل في إنشائه قبل نوفمبر 2010 ويفتتح في عام 2015 كما هو متوقع، 35 من إجمالي الصادرات الروسية من الغاز الطبيعي.

ويقول المحللون إن الهدف الأول من إنشاء «التيار الجنوبي» إيجاد المزيد من الطرق لنقل الغاز الروسي إلى الأسواق الخارجية وتقليل الاعتماد على البلدان التي تمثل طرق عبور للغاز من روسيا إلى أوروبا، وبالأخص أوكرانيا.

كما تناولت المباحثات الروسية التركية التي جرت في أنقرة في 6 أغسطس، مشروع نقل الغاز من روسيا إلى بلدان الشرق الأوسط كسورية ولبنان وإسرائيل، عبر تركيا. ولم يتم تحديد توقيت بدء العمل في هذا المشروع الذي يتضمن إنشاء خط أنابيب جديد في الأراضي التركية. وحاليا تنشغل روسيا وتركيا ببحث الأسواق المفروض بيع الغاز الذي سيضخ عبر «الخط الأزرق - 2» فيها.

ووقع الجانبان اتفاقية تقضي بتصدير المزيد من الغاز الروسي إلى تركيا التي استوردت 8,23 مليار متر مكعب من الغاز من روسيا في العام الماضي. ويرى مراقبون أن روسيا وتركيا بصدد إقامة تحالف يسعى إلى زيادة وزن الدولتين في الساحة الدولية.

وفي ما يخص تركيا، تسعى هذه الدولة إلى نشر نفوذها على الصعيد العالمي عبر احتضان المزيد من خطوط أنابيب الغاز والنفط، وهذا الأمر سوف يجعل تركيا منفذا رئيسيا للطاقة لأوروبا، الأمر الذي سيعطي أنقرة قوة كبيرة في الجلوس مع الأوروبيين لمناقشة مختلف القضايا الشائكة بينهما، وخاصة قضية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

أما روسيا فإنها ترى في تركيا شريك مضمون وموثوق فيه، خاصة بعد المشاكل التي عانتها روسيا من بلدان ترانزيت الطاقة الروسية الأخرى، وخاصة أوكرانيا التي تسببت في مطلع العام الجاري في أزمة كبيرة بين روسيا والأوربيين بسبب اعتدائها على خطوط الغاز الروسية المارة بأراضيها وسرقة الغاز منها وامتناعها عن سداد ديونها عن الغاز لروسيا، وقد اضطرت روسيا لإيقاف ضخ الغاز لأوروبا بسبب المشاكل مع أوكرانيا، ثم عاد الضخ بعد تهدئة الأمور، لكن المشاكل بين البلدين مازالت قائمة وتهدد أمن ترانزيت الطاقة الروسية للغرب دائماً.

تركيا التي تملك الموقع الاستراتيجي بين القارات الثلاث آسيا وأوروبا و افريقيا وتطل على البحرين الأسود والمتوسط قررت أن تستغل موقعها الفريد كقاعدة وأساس لانطلاقتها على الساحة الدولية، ووجدت من روسيا الترحيب الكبير، خاصة وأن العلاقات بين البلدين مستقرة وخالية من المشاكل منذ زمن الاتحاد السوفييتي، رغم عضوية تركيا في حلف الناتو، إلا أنها لم تسعى قط لتوتير علاقاتها مع موسكو، وكانا البلدين يربطهما دائماً علاقات مودة وتعاون وتبادل مصالح مشتركة، ومع التطور الجديد في التعاون بينهما في مجال الطاقة تقفز العلاقات بينهما لدرجة جديدة وصفها أردوغان بالاستراتيجية.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru