فلاديمير بوتين رئيس وزراء روسيا الحالي ورئيسها السابق ورئيس وزرائها الأسبق أيضا، يمر في أغسطس من هذا العام عشرة سنوات على ظهوره على الساحة السياسية في روسيا عندما أعلن الرئيس الراحل بوريس يلتسين تعيين بوتين في منصب رئيس وزراء روسيا في التاسع من أغسطس عام 1999، آنذاك أصابت الدهشة الجميع، وأنا واحد منهم، حيث تساءل الناس: من بوتين هذا، ومن أين أتى به يلتسين؟
لم يكن بوتين شخصا معروفا لأحد، فقد انتقل من العمل في جهاز كي جي بي إلى العمل بجانب محافظ مدينة سانبطرسبرج، ومن هناك انتقل للعمل في ديوان الرئاسة في الكريملين.
وكان واضحا أن هناك من يحرك بوتين وينقله من مكان لمكان، وفوجئ الجميع بهذا الشخص غير المعروف يعين رئيسا للوزراء، وتشاءم الناس كثيرا عندما علموا أن الذي أوصى على يلتسين بتعيين بوتين في هذا المنصب هو الملياردير اليهودي رجل الأعمال بوريس بيرزوفسكي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، والذي أطلق عليه الكثيرون اسم «عراب الكريملين» بسبب نفوذه القوي على الرئيس يلتسين وعائلته، وقيل ان بيرزوفسكي هذا هو الذي كان يدير الدولة من داخل الكريملين.
ونظرا لتدهور الحالة الصحية للرئيس يلتسين وعدم صلاحيته لإدارة الحكم قرر بيرزوفسكي البحث عن الشخص المناسب ليحل محل يلتسين ويكون مطيعا له، ووقع اختيار بيرزوفسكي على الشاب فلاديمير بوتين، وتصور الناس أن بوتين هذا الذي لا يعرفه أحد سيكون خادما مطيعا لمصالح هذه الطغمة من رجال الأعمال الجدد وزعماء المافيا الذين نهبوا ثروات روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يمض عام واحد حتى كانت المفاجأة في مطلع رأس السنة الجديدة عام 2000 حيث أعلن الرئيس يلتسين تنحيه عن الحكم وتعيين رئيس الوزراء فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا.
لم يجد أحد آنذاك ما يقوله عن الرئيس الجديد، ورفضته المعارضة الشيوعية والليبرالية وأيضا الديمقراطية، لكن التأييد له جاء من نخبة رجال الأعمال وزعماء المافيا، وعلى رأسهم بيرزوفسكي، ومر العام 2001 هادئا، وكانت المفاجأة الكبرى بعد عامين عندما هرب اليهودي بيرزوفسكي من روسيا إلى بريطانيا خوفا من بوتين الذي كشر عن أنيابه فجأة وبدأ حملته التطهيرية الواسعة ضد اللصوص الذين نهبوا ثروات روسيا.
بوتين أمضى فترتي ولايته رئيسا للدولة من عام 2000 حتى عام 2008، ثم عاد مرة ثانية إلى موقع رئيس الوزراء ولا يزال مبرزا مهاراته وقدراته القيادية وكاشفا عن لياقته البدنية الرائعة.
وسعى بوتين في بداية حكمه إلى تحقيق الأمن وضبط الأمور في البلاد. ومن هنا فإنه استعان برجال الأمن ووضعهم في مناصب قيادية في كافة المجالات وأفهم جميعا أنهم مكلفون بمهمة وطنية تاريخية هي إنقاذ روسيا من الهبوط والانهيار وإعادتها لمكانتها على الساحة الدولية. واضطر هؤلاء إلى تعلم ما كانوا يجهلونه من قبل كالنشاط الاقتصادي مثلا، أو النشاط الاجتماعي، وأحسوا في نهاية المطاف كأنهم منقذو البلاد.
وإلى جانب رجال الأمن الذين انخرطوا في السلك الإداري اعتمد بوتين على قسم من البورجوازية الوطنية لتدعيم القطاع العام الحكومي.
ويصف الخبراء بوتين بأنه «أول محافظ جديد عقيدته مزيج من مسلمات اليسار واليمين وله أسلوبه المتميز لإدارة الشؤون السياسية والاقتصادية».
ويمكن تقسيم فترة حكم بوتين إلى مرحلتين. المرحلة الأولى تشمل إنجاز عدد كامل من الإصلاحات. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الحرص على الشعبية بالاستمرار في العمل الدؤوب. الأمر الذي زاد من شعبيته كثيرا وهو رئيس للوزراء بجانب الرئيس الشاب ميدفيديف.
يبدو أن الحديث حول شخصية فلاديمير بوتين وخفاياها والشيء الذي يمكن أن يقوم به هذا الرجل لا يزال يشغل بال الكثيرين من رجال السياسة والإعلام في العالم. حيث تبدو شخصية بوتين اليوم أكثر وهجا وسرية ومفاجأة، لكنه رغم كل ذلك لا يزال يتمتع بشعبية ومحبة عالية لدى شعبه بالرغم من مضي كل هذه السنين.رجل الاستخبارات السوفييتية السابق بوتين كان يعرف عن كثب خفايا العمل السياسي ولعل خبرتة الكبيرة في هذا المجال هي التي جعلته يرتب اولوياته للارتقاء في هرم الدولة، وجعلت هذه الأمور من بوتين رجلا يسير بخطى ثابتة على كل الأصعدة بما فيها إعادة مكانة روسيا على الساحة الدولية والدفاع عن مصالح روسيا وفتح نوافذ جديدة على العالم.
حدة الخلافات مع الولايات المتحدة من الملفات الحساسة التي تمس بأمن روسيا والتي دعت بوتين لاتخاذ قرارات أكثر صرامة وإيصال رسالة إلى الرئيس الأميركي باراك اوباما مفادها أن روسيا دولة عظمى ولن تتخلى عن مصالحها. وربما لم تكن مائدة الإفطار التي أقيمت لاوباما في الكريملين سوى مناسبة أراد بوتين من خلالها أن يفهم الرئيس الأميركي أن روسيا لا تزال تتمسك بتقاليدها ليس الفلكلورية وحسب بل والسياسية أيضا وبأنها اليوم تقف بثبات على قدمين قويتين.
التحديات التي واجهت بوتين كانت كثيرة واستطاع الوقوف بصلابة للتغلب عليها. وارتقت روسيا بفضله بعلاقاتها الخارجية إلى أعلى المستويات، إذ تمكن بوتين من فتح نوافذ جديدة مع دول كثيرة كانت تاريخيا حليفة للغرب، وكانت رؤيته واضحة المعالم تجاه كافة القضايا.
جرب بوتين كل شيء وفاجأ العالم بما لم يعهده من قبل في حياة الرؤساء. لكن ما لم يستطع إخفاءه هو قبضته الفولاذية وقراراته الحاسمة ونظرته الثاقبة، والأهم من هذا كله وطنيته وإيمانه الراسخ بعظمة وقدرات روسيا وشعبها.
كاتب روسي
