لا ينزه الفكر السياسي أكثر النظم ديمقراطية وليبرالية عن إمكانية الوقوع في أخطاء وأحياناً في خطايا جسيمة. فهذه النظم تبدو لدى هذا الفكر عرضة للفساد بكافة أنماطه، ولاتخاذ قرارات وسياسات غير سوية تلحق أضراراً بمجتمعاتها داخلياً أو بالآخرين بالجوارين الإقليمي أو الدولي خارجياً. غير أن ميزة الديمقراطيات، مقارنة بالشموليات والديكتاتوريات، هي في قابليتها لإعادة النظر والمدارسة والمراجعة، واستعدادها للأخذ بمبادئ الشفافية والمسائلة والمحاسبة، والخضوع للرقابة.

وعليه، هناك آليات وأدوات متعددة تسمح للنظم الديمقراطية باستدراك الأخطاء وربما محاسبة المسؤولين عنها قانونياً أو أخلاقياً أو على الصعيدين معاً. مثل هذه الأدوات الوقائية لا يمكن العثور عليها بين يدي النظم الشمولية التي ترقي بمقام الحاكم وبطانته فوق النقد وشبهة السهو والخطأ! وهكذا، فإنه في الوقت الذي تملك فيه الديمقراطيات فرصة التصحيح وتعديل المسار، تبقي الشموليات والسلطويات على أحوالها «المائلة»، بحيث تتراكم عيوبها ومفاسدها فوق بعضها البعض حتى تصل إلى مرحلة الانهيار.

نستحضر هذه التعميمات بمناسبة قرار مهم اتخذته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، مؤداه إدخال آلية المراجعة الشاملة لعمل وزارتها كل أربعة أعوام، مع البدء فوراً «بإعادة النظر في توزيع المساعدات الأميركية الخارجية التي قدرت عام 2009 بنحو 54 مليار دولار».

في تعليقاتهم وشروحهم اللاحقة، أوضحت أركان الخارجية الأميركية أن المطلوب هو التأكد تماماً من أن الأموال تستخدم في تحقيق الأهداف والقيم الأميركية. وتجدر الإشارة إلى أنه سبق لوزارة الدفاع الأميركية ان اتخذت قراراً مماثلاً بالمراجعة، يقال انه أدى إلى تحسين أدائها. ما نستطيع التأكيد عليه هنا أن مفهوم المراجعة وفحص مستوى الأداء والفعالية لدى وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين يتسق مع أسس النظم الديمقراطية وفلسفتها نظرياً وأسلوب عملها في التطبيق، لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو لماذا بدأت الخارجية وآليتها المستحدثة بكشف حساب التكلفة والعائد بالنسبة للمساعدات الخارجية؟!.

لا حاجة بنا للتذكير بأن ثمة دولاً عربية، أو «شرق أوسطية» كإسرائيل، معنية بهكذا سؤال وإجابة. وبهذا الخصوص رفض نائب وزير الخارجية الأميركية جيكوب ليو الخوض في مدى تأثر هذه الدول بالمراجعة العتيدة، وأكتفى بالقول «علينا أن ننتظر كيف يمكننا التعامل مع من وجدنا صعوبة في العمل معهم سابقاً..»!. وهي إجابة غامضة لا ندري إن كان المقصود بها العرب أم إسرائيل أم غيرهما.

الشاهد أن التوجه الأميركي يعيد إلى الأذهان وضعية الجفاء بين المساعدات الخارجية، الأميركية منها وغير الأميركية، وبين العمل الخيري. وقبل كلينتون ومراجعاتها بكثير، كانت هذه المساعدات وقرارات المنح والمنع أداة أصيلة من أدوات السياسة الأميركية الدولية.

وفي مناسبات بعينها، كان المسؤولون الأميركيون (ومازالوا) يتخلون عن اللياقة السياسية والدبلوماسية، ويجاهرون بكل صراحة، أو وقاحة إن أراد البعض، بما ينبغي ولا ينبغي على المتلقين لمساعداتهم القيام به.. ولا يتجاوز الواقع والحقيقة من يصف هذه المجاهرة بعمليات الإملاء.

اللافت أن انتقال الدبلوماسية الأميركية من خطاب الملاينة والمناصحة إلى الخطاب الإملائي الأوامري، يتوقف على مدى حاجة واشنطن إلى الطرف المتلقي للمساعدة من ناحية، وعلى مدى اعتمادية هذا الطرف الأخير للمساعدة وطاقته في الاستغناء عنها من ناحية أخرى.

يريد الأميركيون التيقن من أن أموالهم السياسية موظفة حقاً في خدمة قيمهم وأهدافهم الدولية. هذا حقهم. بيد أن الذين يتلقون هذه المساعدات مطالبون بمراجعة موازية.. مراجعة تثار في إطارها أسئلة، تتعلق بتأثير المنح الأميركية على حدود استقلالها وحركتها وقراراتها الداخلية والخارجية، ومن هي القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية المستفيدة أو المتضررة منها؟.

وهل يمكن الاستغناء عنها.. ومتى وكيف؟ وما احتمال تحول هذه المنح والمساعدات إلى قروض واجبة السداد بما يزيد الأعباء على كواهل الدول المرتبطة بها؟.

القصد، أن المراجعة بغرض التصحيح وتحسين الأداء لا ينبغي أن تكون حكرا على المانحين.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com