يتفق قطاع واسع من الناس على أننا في هذا الزمن وصلنا إلى نقطة فقدنا فيها كثيرا من الأشياء العظيمة على صعيد الأمة، علماء، شعراء، عباقرة، سياسيين وقادة نضاليين حقيقيين، دعاة فكر ومبدعين من الطراز الأول، كتب وأصوات وغناء وضحك أصيل، حيث لم يتبق من الأصيل شيء، بعدما غلفت حياتنا ثقافة استهلاكية، ومخلفات شعوب استوردناها، دمرت فينا تلك الأصالة، وأخذتنا في تيارها المليء بغبار الابتذال.. لهذا يحتفظ كثير منا بكتب قديمة قيمة، وصور لأناس نحبهم كانوا في زمانهم فلتات، يحتفظون بالأغاني وبالأفلام القديمة، بالقصائد والمجلات وقصاصات صحف قديمة، كلما نظروا إليها أو عادوا إليها تحسروا على أيام زمان وأصالة أيام زمان.. فقد الوطن العربي الكثير من كنوزه وهو يتعولم ويبدل جلده حسب الهوى الجديد..

ما تبقى لنا سوى فتات، لا يكفينا ولا نعرف إذا ما استهلكنا بقاياه ماذا سيتبقى لأبنائنا وأبناء أبنائنا.. بالأمس حلت ذكرى رحيل شاعر التين والبرتقال والزيتون والأرض والنضال والعذاب والحصان الوحيد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وفي مناطق من الوطن العربي أقيمت لهذه الذكرى، صالونات ومناشط، كل حسب اقترابه وعشقه وارتباطه بالراحل وارثه من شعر ونضال.. ترجل صاحب الحصان وحيدا، بعدما ترجل من قبله عباقرة من النضاليين شعرا في أرجاء الوطن العربي..

ترجل تاركا لنا مجموعاته الشعرية، تلك التي كان الوطن العربي يصحو في صباحاته باكرا مفتشا عما خلفه ليل درويش من أبيات ومقاطع شعرية وكلمات تكفي للعيش بحياة كريمة.. رحيل درويش لم يكن قاسيا في الحزن فقط، ولكنه كان الفراغ الذي خلفه.. وكأن شجرة هذا الوطن العربي الممتد يطول بها خريف لا انتهاء له..

فمن سيقرأ درويش بعدنا؟ هل سيفتش أبناؤنا بعدما نرحل نحن، حينما نقضي وطرنا من الدنيا، عن أشعار وقصائد ولمحات من حياة هذا الشاعر النضالي العظيم؟ ستحرك فيهم تلك المقاطع الشرسة ثورة الدم على الأرض السليبة، أم ان ملابسهم ستكون ضيقة للحد الذي تجعلهم لا يتحملون معها حمل بيت من أبياته الشهيرة في جيوبهم السرية!؟.

ليس درويش وحده هو زوادة النضال، والشعر المحترم، بل غيره كثيرون في امتدادهم من عصر الجاهلية إلى يومنا هذا.. فالأمة أنجبت شعراء وراكمت شعرا يكفي لتعيش عليه أجيال ويكفي لآخر الدهر، لكن العلة ليست في وجوده مخزونا في المخازن، العلة في ان هناك من بدل طعم الشعر والحكمة في زمن صار فيه غسل الأدمغة أسهل من غسل منديل!.

نتذكر درويش الذي رحل في العام الماضي قبل يوم من هذا اليوم، لأننا نتذكر النضال الأصيل وكل من النضاليين الذين كبتهم شعرا.. وكل من كان قد رحل قبله وكان حاملا لمشعل تنوير في أرجاء هذا الوطن الكبير الذي أظلمت دروبه.

mhalyan@albayan.ae