لاشك أن تبادل إطلاق النيران الذي وقع مؤخرا على الحدود بين جورجيا وأوسيتيا الجنوبية، يأتي في إطار محاولات نظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي لتفجير الوضع هناك وإشعال فتيل الحرب من أجل إنقاذ نظامه الذي يواجه أزمة سياسية عميقة أمام معارضة شعبية وسياسية محتشدة تطالب بعزله.
الجانب الروسي يؤكد أن موسكو ليس لديها أية مصالح في تفجير صدام عسكري في القوقاز، خاصة بعد أن أعادت نشر قواتها بما يضمن لها حماية مصالحها في المنطقة. وقد دعت الخارجية الروسية حكومة تبليسي لتوقيع اتفاقية تضمن عدم استخدام القوة ضد جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، لفض النزاع وإحلال الأمن والاستقرار في المنطقة.
وتكمن المشكلة في أن الغرب بدأ بالفعل في إعادة تجهيز وتدريب القوات الجورجية، وقد أكد نائب وزير الخارجية الروسي غريغوري كاراسين أن الولايات المتحدة الأميركية تواصل تسليح جورجيا، وتركز واشنطن في تعاونها التقني العسكري مع جورجيا على إصلاح القوات المسلحة وتدريب العسكريين الجورجيين، كما أن دولا أجنبية مستعدة لدعم جورجيا في إعداد قواتها المسلحة من خلال تقديم المساعدات المادية لها وإمدادها بكافة أنواع الأسلحة.
ويتم ذلك في وقت يعانى نظام ساكاشفيلى من أزمة سياسية واقتصادية داخلية، تهدد بقاءه في السلطة، ما يعني أنه يحتاج لإشعال حرب تمكنه من الحفاظ على منصبه لفترة ما، يستعيد فيها توازنه السياسي في مواجهة المعارضة.
وتتباين السيناريوهات هذه المرة، فالأمر لم يعد يقتصر على حملة عسكرية جورجية ضد جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، والتي يمكن للقوات الروسية أن تواجهها. وإنما يعتقد العديد من المراقبين أنه يتم إعداد جورجيا لكي تكون أحد القواعد التي ستعتمد عليها واشنطن في توجيه ضربة عسكرية ضد إيران، بعد أن رفضت أذربيجان التورط في الصراع ضد إيران، إلا أنها لم ترفض العبور من خلال أجوائها نحو إيران، بعبارة أخرى سيكون الطريق من جورجيا إلى إيران دون أي معوقات.
ويبدو أن النظام المؤهل في المنطقة لتقديم خدمات من هذا النوع هو نظام ساكاشفيلى، جغرافيا وسياسيا، في نفس الوقت يتم تجهيز الترسانة العسكرية الإسرائيلية بكميات من الصواريخ التي ستمكنها من توجيه ضربات صاروخية ضد إيران، علما بأن إسرائيل دعمت جورجيا عسكريا في حرب أغسطس من العام الماضي.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تصريحات واشنطن التي حددت مهلة لحكومة طهران حتى سبتمبر القادم لكي تتجاوب خلالها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية سنجد أن الوضع ينذر بصدام عسكري ضد إيران خلال الخريف القادم ستكون مرتكزاته جورجيا وإسرائيل.
وقد تكلف جورجيا بمهمة تفجير الوضع في القوقاز بهدف إشغال روسيا بأوضاع هذا الإقليم وإبعادها عن ما سيجري ضد إيران. وعلى الرغم من أن وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس قد حذر إسرائيل في ربيع هذا العام من القيام بضربة عسكرية ضد إيران باعتبار أن هذه الضربة قد تعطل البرنامج النووي الإيراني، إلا أنها ستزيد من إصرار حكومة طهران على مواصلة هذا البرنامج.
ومع ذلك نفذت القوات الإسرائيلية بالتعاون مع البحرية الأميركية برنامجا تدريبيا لضرب أهداف بعيدة المدى، ترافق مع تدريبات عسكرية إسرائيلية لمواجهة هجوم صاروخي إيراني بأسلحة تقليدية وغير تقليدية.وقد لفتت الأنظار الضجة التي أثيرت حول مرور سفينتين قاذفتين للصواريخ وغواصة نووية عبر قناة السويس، ما عزز الاعتقاد بأن إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة تستعد لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
وجاء الدور الجورجي كقاعدة دعم من الجانب الشمالي الشرقي والذي سيمكن من تغطية أغلبية مواقع المنشات النووية الإيرانية والتي تنتشر في عدة مناطق داخل إيران.
ولا شك أن موسكو عندما تواجه بحزم إعادة تسليح القوات الجورجية تدرك أن ما يتم هو إعداد جورجيا لتكون شرطي أميركي في القوقاز يعطل ويعيق جهود دول المنطقة لحماية الأمن والاستقرار، وينفذ المهام الخارجية التي ستضر بمصالح دول الإقليم بدرجة أو بأخرى.
كاتبة روسي