في الوقت الذي كان يتم فيه تنصيب الرئيس احمدي نجاد لولاية ثانية في إيران، أعلن مير حسين موسوي انه لن يطلب من المحتجين على نتائج الانتخابات الرئاسية التوقف عن الاحتجاج، فيما يعني استمرار الأزمة الإيرانية لفترة من الزمن، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول ما سوف تخسره إيران من استمرار هذه الأزمة لفترة زمنية أخرى.

وهناك من المراقبين للشأن الإيراني من يضع الأزمة وعواقبها في سلة الاقتصاد، نذكر منهم رنا فروهار التي ترى أن الخلافات بين أحمدي نجاد والمحافظين تزايدت منذ أشهر بسبب سوء إدارته للاقتصاد. ذلك إن سياساته الرديئة التحضير المتعلقة بالطاقة والمال، إضافة إلى إعانات مالية عامة غير خاضعة للرقابة، تسببت بتضخم فاق 10 بالمائة، وبمعدل بطالة آخذ في الارتفاع، وبانقطاع للتيار الكهربائي.

خلال ولايته، وفي ظل أسعار نفط كانت الأعلى منذ عقود، أصبحت إيران بلدا مستوردا كليا للغاز، على الرغم من غناها بالموارد الطبيعية. وتضيف: لقد كان الاقتصاد المتردي مسألة أساسية في الانتخابات، لكن المشاكل الاقتصادية ترجع إلى ما قبل ذلك.

ففي شهر يناير من العام الحالي، أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي أنه اعتبارا من العام المقبل، ستضخ الدولة 20 بالمائة من عوائدها من النفط والغاز في صندوق تنمية جديد منفصل عن صندوق استقرار النفط، الذي يزعم أن أحمدي نجاد استخدمه لتسديد مبالغ للمقربين منه في الحرس الجمهوري ولشركات أسسها مسؤولون سابقون في الحرس الثوري.

يقول معهد «راند» للأبحاث والتطوير إن شركات من هذا النوع، وهي تكون في أغلب الأحيان عديمة الفعالية، هي اليوم من أبرز اللاعبين الاقتصاديين في إيران، وهي تتمتع بنفوذ بعيد الأثر داخل قطاعات مثل الصناعة، والإعمار والبنوك. وهى تمثل حاليا القطاع الذي يحقق التوازن إزاء القوة الاقتصادية والسياسية التي يمثلها البازار المعبر عن الرأسمالية التجارية الإيرانية التقليدية.

والخسارة الأولى التي ستصيب إيران من جراء استمرار عدم الاستقرار السياسي هو أن الوضع الاقتصادي سوف يستمر متدهورا، واذا كانت إيران تعول كثيرا على جذب الاستثمارات الخارجية من أجل إحداث التوازن في اقتصادها، فان الوضع السياسي غير المستقر سوف يخلق مناخا طاردا للاستثمارات الخارجية، بما يؤكد استمرار الأزمة الاقتصادية الإيرانية، طالما استمرت أزمتها السياسية، ويبدو أن التيار الاصلاحي يدرك هذا الأمر جيدا، وهو يضغط على السلطة بأجهزتها وتياراتها بالتلويح باستمرار التصعيد، لكي يجبرها على البحث عن تسوية ما للأمة ترضى كل أطرافها وتحفظ لهم ماء وجههم.

أما الخسارة الثانية التى ستصيب إيران من جراء هذه لأحداث فتتعلق بتعطيل برنامجها النووي، ذلك إنها مضت قدما في هذا البرنامج، في ظل وضع سياسي مستقر، جعلها تتجه إلى الاهتمام بالقضايا الإقليمية والدولية وبالسعي إلى استكمال برنامجها النووي، وفى ظل وجود إجماع بين النخبة الإيرانية بكافة توجهاتها علي ضرورة استكمال هذا البرنامج، وهذا الأمر تغير في الوقت الراهن، ذلك أن الشق الذي حدث داخل النخبة الإيرانية سوف يجبر السلطة على التركيز على رأب الصدع الراهن، وليس على استكمال البرنامج النووي، وهو ما يعنى أن الوضع الراهن في إيران سيجبرها على الانكفاء على الداخل لفترة من الوقت، قد تطول أو تقصر حسب استمرار الخلاف الداخلي بين الأطراف المتعددة في أزمتها الداخلية.

والخسارة الثالثة التي ستصيب إيران تتعلق بدورها الاقليمى، ذلك أن مرحلة ما قبل الأزمة شهدت امتداد الدور الاقليمى لإيران، الأمر الذي سبب انزعاجا لدى دول إقليمية متعددة نذكر منها كل من المملكة العربية السعودية ومصر، كذلك فان هذا الامتداد الاقليمى اثر على ملفات داخلية في دول أخرى منها لبنان التى دعمت فيها إيران حزب الله اللبناني في مواجهة القوى اللبنانية الأخرى، وانكفاء إيران على نفسها داخليا سيؤثر على ما حققته من امتدادات إقليمية، وبالتالي فان إيران عندما تبدأ السعي لدور اقليمى مؤثر بعد انتهاء الأزمة سوف تبدأ من نقطة مختلفة تماما عن تلك، بما يؤكد أن الأزمة الداخلية الإيرانية وجهت ضربة قوية لدورها الاقليمى، وهو الأمر الذي يتطلب علاجه فترة ليست قصيرة من الوقت.

وهذا الوضع المعقد فيما يتعلق بتأثير الأزمة الداخلية على أكثر من ملف إيراني حيوي واستراتيجي هو الذي جعل التيار الاصلاحي يتمادى في الدفع والضغط من اجل وضع النخبة الحاكمة في موقف الدفاع، ولعل السلطة الإيرانية أدركت ذلك لأنه استمرت في موقف الهجوم من اجل الحفاظ على هيبة النظام في مواجهة معارضيه، فيما يعني أن الأزمة بهذا الوضع الحالي يمكن أن تتحول إلى معركة تكسير عظام بين أطرافها، خاصة وان المرشد الأعلى للدولة انحاز إلى احد الأطراف بما أنهى إمكانية أن يصبح المرشد هو الحكم بين الطرفين المتصارعين وبما يجعله هو صاحب المبادرة في التوصل إلى تسوية ترضى الطرفين أيضا.

وهذا الأمر يجرنا إلى الحديث عن الخسارة الكبرى التي أصابت إيران من استمرار الأزمة، وهى أنها أفقدتها بريقها لدى قطاعات شعبية متعددة في المنطقة المحيطة بها، واثر على صورتها، وأنهى كل حديث يمكن أن يشيد حول تجربتها الديمقراطية المختلفة والرائدة، وهذه هي الخسارة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com