هرب معظم زعماء العالم من حر الدنيا إلى إجازاتهم الصيفية مع عائلاتهم. وارتاح العالم من الفوضى التي يثيرونها في كل مكان. حروب ومخططات واستراتيجيات ومصالحات وعداوات وهلم جرا. لم يسلم العالم يوما من طريقة حكم الرجال لشعوبهم. إنهم يزجون بنا في أتون الحروب بينما هم يتمتعون بحياتهم الطبيعية في قصورهم وبين أهاليهم وأبنائهم.
لذا لدينا اقتراح بأن يمنح زعماء العالم إجازات مضاعفة، تصل إلى ستة أشهر بالسنة وقد تصل إلى 365 يوما بالتمام والكمال. ولكي يتحقق ذلك يجب أن توفر لهم كافة وسائل الراحة والاستقرار من مناطق سياحية متنوعة ومختلفة إلى رحلات بحرية نائية تصل إلى القطب الجنوبي والشمالي وتستغرق شهورا عدة، إلى مخيمات برية في عمق الصحراء، وربما اكتشفوا في السياحة والتجوال أن العالم أجمل مما يخططون. إن الحروب تحرم الزعماء والملوك من النوم والاستقرار والأمن والأمان.
فمنهم من يضطر للعيش متنقلا خائفا من التعرض للاغتيال السياسي، أو محاطا بطوابير من العساكر تحميهم من أي غضب شعبي حتى أصبحوا غير قادرين على العيش كباقي البشر، حتى وصل بهم الحال إلى أن أصبحت قصورهم الفارهة شبه سجن مؤبد. ويموت معظم الزعماء والملوك دون أن يروا أقرب الأسواق إلى قصورهم، أو حتى زيارة متحف من متاحف بلدانهم التي أوصوا بتطويرها.
مع أن المتاحف تعتبر درسا كافيا لأمراء الحروب بالتعلم من عبر التاريخ ودروس الماضي. ومع أن متاحفنا مليئة بالمقتنيات التي تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد والتي تعكس المراحل التي مرت بها شعوب العالم حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، إلا أن معظم الزعماء يتهيبون زيارتها أو حتى المرور بها حتى لا يشعروا بالإحباط.
وقد صرفت بعض الدول مبالغ طائلة لتطوير متاحفها ودعمها بكل ما هو نادر وثمين حتى أصبحت وجهة زوار العالم من كل مكان. ولكن استغلالها بطريقة علمية منظمة ومطورة ظل أمرا هامشيا، والتعريف بها لا يرقى إلى المستوى المطلوب والخدمات غير متوفرة، حتى بات معظم السواح الأجانب يتجنبون متاحفنا أو حتى السياحة في بلداننا. إن السياحة في بعض بلدان العالم أصبحت أغلى من الذهب الأسود والأصفر وإيراداتها فاقت إيرادات النفط.
وأصبحت هذه الدول تعتمد سياسة استخدام الإعلانات التلفزيونية لتشجيع زيارتها وتسهيل الدخول إليها ومنح التأشيرات السياحية بشكل سريع جدا وتقديم كافة الخدمات الأساسية اللازمة بحيث يعود السائح إلى بلده لينقل الخبر إلى من حوله وهكذا. وقد شكا أحدهم زيادة تعقيد بعض الدول الغربية على وجه الخصوص لإجراءات منح التأشيرة السياحية لعائلته.
ولكن عندما تعرف جنسية ذلك الشخص تدرك بأن واحدة من سياسات المحافظة على نوعية السياحة الوافدة لدى بعض الدول هو تجنيب السائحين الأجانب الآخرين أو السائحين من الدرجة الممتازة سمعة بعض الجنسيات المتهمة بالإرهاب والتخريب وعدم احترام القوانين المعمول بها في تلك الدول. فالتضحية بسائح واحد يصبح بحكم المشروع عندما يكون الهدف السياحي منها كسب آلاف السائحين الآخرين.
لذا دخلت خطوط السياسة بشكل مباشر في خطوط السياحة. وكلنا يعلم بأن بعض المنظمات المسلحة تنتظر أيام ما قبل بداية إجازات الصيف لكي تبدأ ضرباتها المسلحة بهدف إرهاب السائحين من زيارة تلك البلد وتشكل بذلك ضغطا اقتصاديا خطيرا على الحكومة لتلبية مطالبهم.
وحدث ذلك في أسبانيا بشكل واضح في صدام الحكومة مع منظمة إيتا المسلحة التي تطالب باستقلال إقليم الباسك، وكذلك في فرنسا في صدامها مع المنظمة التي تطالب باستقلال جزيرة كورسيكا عن فرنسا وبريطانيا في حربها مع الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي كان يطالب باستقلال إيرلندا الشمالية، وحدث الأمر نفسه في لبنان من خلال المخابرات الإسرائيلية ومصر من خلال بعض المنظمات الجهادية وتركيا من قبل حزب العمل الكردستاني التي كانت تنتظر فترة ما قبل الصيف تماما للقيام بأعمالها الإرهابية.
وإذا بثلاثة أرباع الحجوزات يتم إلغاؤها. ومنذ تلك اللحظة أصبح منح التأشيرات السياحية مسألة تتعلق بجنسية مقدم الطلب. وقد شاهدت بنفسي في إحدى مطارات دولة من دول الاتحاد الأوروبي كيف ظل ضابط أمن الجوازات يدقق (ومع الأسف الشديد) في جواز رب عائلة من أحد الجنسيات العربية لمدة فاقت المعقول وحضرة الضابط غير عابئ بالجو الحار ولا بالطابور الذي بدأ يضيق ذرعا بالانتظار الطويل، للتحقق من هوية هذا الرجل الشرقي الذي نقل بعد ذلك مع عائلته وأطفاله وكأنه واحد من المجرمين الخطرين إلى مكتب آخر ثم لا أعرف ماذا كان مصيره.
بينما كان يقف بعده وأمامي مباشرة شاب من الجنسية اليابانية مع زوجته وولديه فاستقبلهم نفس ضابط الجوازات بالابتسامة العريضة وظل يداعبهم بطريقته الخاصة ودون أن يلقي حتى نظرة على جوازاتهم التي ختمها بسرعة البرق وهو ممتن لهم أشد الامتنان متمنيا لهم طيب الإقامة وكثرة الإنفاق والاستهلاك وتفريغ الجيوب قبل العودة إلى وطنهم الأم.
كل ذلك يحدث بينما زعماء العالم يسافرون على متن طائرات خاصة ودون الحاجة للوقوف في الطابور ويهبطون في مطارات عسكرية ويكون في استقبالهم زعماء دول مثلهم ويركبون عربات فخمة تقتادهم إلى مناطق لا يعلمها إلا الله..... ونحن علينا الانتظار...
جامعة الإمارات