ربما لم تعان دولة في الانضمام لعضوية منظمة التجارة العالمية مثلما عانت روسيا على مدى أكثر من خمسة عشر عاما مضت، على الرغم من أن روسيا كانت على وشك الحصول على عضوية المنظمة في عهد الرئيس الراحل يلتسين في التسعينات، إلا أن الأمور تعقدت كثيرا بعد وصول الرئيس بوتين للحكم في الكريملين وبداية عودة روسيا كقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة ومؤثرة على الساحة الدولية، الأمر الذي يرى معه الكثير من المحللين أن التعقيدات أمام انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية تأخذ في الأساس طابع سياسي أكثر منه اقتصادي أو تجاري.
وقد انقسمت الساحة السياسية في روسيا قسمين، أحدهما يؤيد السعي للانضمام للمنظمة، والقسم الآخر يرى أن روسيا ليست بحاجة للانضمام لهذه المنظمة باعتبار أن التجارة الخارجية لروسيا تقوم في الأساس على عناصر ثلاثة تشكل أكثر من ثمانين في المائة من صادرات روسيا وهي مصادر الطاقة ( النفط والغاز) والسلاح والتكنولوجيا النووية، والسلع الثلاثة لا تخضع لبنود اتفاقيات التجارة الحرة، بينما يرى أنصار الانضمام للمنظمة أن روسيا تتطلع لغزو أسواق عالمية أخرى، وعلى رأسها سوق الحبوب الذي تحتل فيه روسيا مكانة مرموقة، كما أن ظروف ألزمة المالية العالمية الحالية قد تحدث في التجارة العالمية والنظام المالي العالمي تغيرات جذرية تجعل من أهمية العمل في إطار منظمة التجارة العالمية بعد ان يضعف تأثير ونفوذ الولايات المتحدة عليها من جراء الأزمة.
رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين يتعامل مع قضية عضوية المنظمة من منظور أخر يختلف كثيرا عن المنظور السابق له عندما كان في منصب الرئيس، حيث يرى بوتين أن روسيا الآن ليست في حاجة للدخول في منظمة التجارة العالمية بمفردها، بل في شكل جماعي يشبه شكل الاتحاد الأوروبي ولكن في شكل أصغر، وقد قررت الحكومة الروسية العودة إلى بداية الطريق الذي بدأت روسيا السير عليه قبل 15 عاما نحو الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. والآن تسعى روسيا للانتساب إلى عضوية هذه المنظمة ضمن تكتل يضم ثلاث دول: روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان.
وصرح فلاديمير بوتين، رئيس الحكومة الروسية بأن حكومات روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان مستعدة لإبلاغ منظمة التجارة العالمية بأنها توقف مفاوضات انضمام دولها فرادى إلى المنظمة لتبدأ مفاوضات انضمام الدول الثلاث مجتمعة كأعضاء في تكتل اقتصادي (يعرف هذا التكتل باسم الاتحاد الجمركي).
وكان مكسيم ميدفيدكوف، رئيس الوفد الروسي إلى مفاوضات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، قد قال في الأسبوع الماضي إن روسيا ستصبح عضوا في المنظمة في منتصف عام 2010 إذا تمكنت من استكمال المفاوضات قبل نهاية عام 2009. ولكن على ما يبدو أن الأمور سوف تتغير تماما وتأخذ منحى واتجاها مختلفا.
القوانين الخاصة بمنظمة التجارة العالمية تراعي إمكانية انتساب مجموعة من الدول إلى عضوية المنظمة وتعطيها أولوية على الحالات الفردية، ولكن قرار الحكومة الروسية بالدخول الثلاثي للمنظمة مع بيلاروسيا وكازاخستان أصاب الكثيرين بالدهشة بعد أن قطعت روسيا تقريبا 95% من طريق المفاوضات الفردية وأصبحت على وشك الحصول على العضوية، وحققت نتائج مُرضية في المسائل الأساسية المتعلقة بشروط الانضمام.
ويرى بعض المحللين أن روسيا لم تعد تأمل في انضمام سريع لمنظمة التجارة العالمية وأن الأمور ممكن أن تتعقد أكثر في الشهور القليلة القادمة، وتتوقع روسيا أن تمارس معها بعض الدول أساليب الابتزاز والضغوط السياسية ولهذا قررت التركيز على إنجاز الاتحاد الجمركي في الساحة السوفييتية سابقا.
ويرى محللون أن موسكو تفضل الآن إنجاز الاتحاد الجمركي على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وذلك لأن أحدا لا يعرف تحديدا كيف سيكون مصير هذه المنظمة بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.
كاتب روسي