أخيراً تخطت حركة فتح العقبات الكثيرة، التي اعترضت سبيل انعقاد المؤتمر السادس، وكادت بعضها تؤدي إلى تأجيل آخر غير معلومة حدوده وغير واضحة آثاره السلبية، لا شك أن انعقاده في مدينة بيت لحم، التي تخضع كما بقية أنحاء الضفة الغربية للاحتلال الإسرائيلي، يشكل تحدياً كبيراً ما كان يمكن مجابهته، والنجاح في عقد المؤتمر تحت سمع وبصر الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن، إلا بعد توفر ضمانات قوية خصوصاً من طرف الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة القادرة على تقديم مثل هذه الضمانات.

وفي الواقع فإن حركة فتح وجدت نفسها أمام مقارنات صعبة ومحرجة إلى حد كبير استثارت درجة عالية من الاستفزاز، فإسرائيل تسمح لمئات أعضاء المؤتمر، من الشتات، ومن مدن فلسطين أخرى بالعبور إلى مقر المؤتمر، في مدرسة تراسنتا في بيت لحم، فيما حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، تمنع نحو أربعمائة عضو يمثلون حركة فتح في القطاع من حضور المؤتمر.

حركة حماس، ربطت السماح لهؤلاء حضور المؤتمر، بالإفراج عن المعتقلين السياسيين من الحركة في الضفة الغربية، وقد رفضت كل الوساطات، والتدخلات، التي قامت بها أطراف عربية ودولية كثيرة منها سوريا ومصر، وتركيا وروسيا.

الموقف الذي اتخذته حماس من سفر كوادر فتح في القطاع إلى مقر المؤتمر في الضفة، أضاف ملفاً جديداً صعباً، وأضاف مؤشراً جديداً على عمق أزمة الثقة، وعلى عمق الخلافات، وعملية الانقسام الواقعة، وربما يؤدي إلى تعقيد الحوار الذي يفترض أن يشهد جولة أخرى في الخامس والعشرين من هذا الشهر بناءً لاتفاق سابق.

وفيما تستنكر حركة فتح هذا المنع الحمساوي، مقابل سماح إسرائيل بتسهيل دخول ووصول أعضاء المؤتمر من أماكن مختلفة، فإن حركة حماس اعتبرت ذلك، شكلاً من أشكال قوة التنسيق بين السلطة وإسرائيل، وتعبيراً عن رضا إسرائيل عما سيخرج به المؤتمر من قرارات وتوجهات.

في مطلق الأحوال فإن المؤتمر السادس لحركة فتح، يشكل محطةً مفصليةً هامةً وأيضاً بالنسبة للشعب الفلسطيني والمشروع الوطني. صحيح أن حركة فتح تعقد مؤتمرها في ظروف مختلفة عما كانت عليه الحال في المؤتمر الخامس الذي انعقد في تونس عام 1989، من حيث أن الحركة في ذلك الوقت كانت متفردة في القرار والخيار.

وفي ظل معارضة من الفصائل الأخرى في المنظمة محدودة الشعبية والتأثير، فيما هي اليوم فصيل كبير، يتقاسم مع حركة حماس القدرة على التأثير في القرار، والشعبية أيضاً، ولكن كل ذلك، لا يصل إلى حدود الاستهانة بمسؤولية فتح ودورها التاريخي في صياغة المستقبل الفلسطيني. فتح تنظر لنفسها وينظر إليها الكثير من الفلسطينيين، فصائل ومواطنين على أنها حامية المشروع الوطني الفلسطيني وضامنة بقاء منظمة التحرير الفلسطيني، وتحقيق الأهداف بالعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

لاشك أن هذه النظرة الفتحاوية لنفسها، وصفت أعضاء المؤتمر الذين يناهز عددهم على ألفين ومائتين وستين عضواً، أمام مشاعر ضاغطة بشدة، فهم يناضلون من أجل بقائهم، ونهوضهم، بل انبعاث حركتهم من جديد لمجابهة تحديات خطيرة على مختلف الصعد والمستويات، فضلاً عن أنهم يتحملون المسؤولية عن التطلبات العالية التي ينتظرها منهم الجمهور الفلسطيني.

النهوض بأوضاع حركة فتح، وإعادة انبعاثها من جديد، يتطلب مراجعة نقدية شاملة وجريئة لتجربة طويلة تمتد لعشرين عاماً حافلة بالمتغيرات الدراماتيكية وأوصلت الحركة فتح والوضع الفلسطيني إلى الحال الذي هي وهو فيه اليوم.

الرئيس محمود عباس أجرى مراجعة سريعة في كلمته الافتتاحية للمؤتمر، لكن تلك المراجعة التي تضمنت انعقادات لحركة فتح التي يقودها، لا تكفي ولا تعوض الحاجة للمراجعة الشاملة، والدقيقة، والتي يفترض أن اللجان الثماني عشر التي شكلها المؤتمر، ستقوم بها.

إن أهمية مثل هذه المراجعة، للدور، والمسؤولية، والعلاقات الوطنية، وأداء الحركة الداخلي، وفي إطار السلطة، والمنظمة، ومراهناتها السياسية، وما آلت الأمور من صراع وانقسام فلسطيني عميق، إن هذه الأهمية تكمن في كونها تشكل الأساس للبرنامج والخطة التي خرج بها المؤتمر.

وإذا جاز لنا أن نعتبر الكلمة التي ألقاها الرئيس عباس في بداية المؤتمر، على أنها تضمنت الخطوط العامة لبرنامج الحركة وتوجهاتها اللاحقة، فقد جاءت ردود الفعل الإسرائيلية، محذرة ومتوعدة.

أكثر من مسؤول إسرائيلي رسمي، من سيلفان شالوم نائب رئيس الحكومة، إلى إيهود باراك وزير الدفاع، وآفي دختر، المسؤول السابق عن الأمن الداخلي، وعضو الكنيست، إلى آخرين، ركزوا انتقاداتهم على موضوعين من خطاب عباس، الموضوع الأول حين اعتبر هؤلاء ما ورد في الحديث عن أن فتح ستواصل المقاومة. وبالرغم من أن عباس ربط هذا الموقف بما تقرره الشرعية الدولية، كحق ثابت للشعوب المحتلة.

وأيضاً رغم أنه ربط ذلك، بنموذج المقاومة الشعبية التي يخوضها ضد جدار الفصل العنصري أهالي قرى بلعين ونعلين، والمعصرة، إلا أن الإسرائيليين اعتبروا ذلك دعوة لانتفاضة جديدة أو عودة عن خيار السلام والمفاوضات.

الموضوع الثاني يتصل برفض الرئيس عباس الاعتراف بالطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية، حيث اعتبره سيلفان شالوم موقفاً مخيباً للآمال، وكأن إسرائيل كانت تتوقع من مؤتمر فتح أن يسلم مسبقاً بالشروط الإسرائيلية حتى قبل أن تبدأ المفاوضات.

من الواضح أن التحديات التي واجهت مؤتمر حركة فتح لا تتوقف عند حدود موقعها ودورها، ولا فيما يشكله الانقسام الفلسطيني، والعداء المتحكم بينها وبين حركة حماس، أو في المحاولات الإسرائيلية المستمرة لحشد الذرائع من أجل التهرب من استحقاقات السلام، وإنما هي فوق ذلك، تحديات تطال آمال الشعب الفلسطيني في تحقيق أهدافه الوطنية، وحماية القضية التي تتعرض للتبديد والتهويد والاستيطان والضياع.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com